Tuesday, April 07, 2009

الأم في يومها


آذار/ مارس 2009
يحتضن آذار مناسبات تخص المرأة بذاتها، كمناسبة 8 آذار/ مارس يوم المرأة العالمي، و21 آذار/ مارس عيد الأم ، أو تمت إليها بصلة وثيقة
كمناسبة عيد المعلم، حيث للمعلمات دور رائد في مجتمعنا، و22 آذار مناسبة عيد الطفل الذي يرتبط بأمه بشكل كبير، وهكذا يمكن أن نسمي شهر آذار/ مارس شهر المرأة بامتياز.

أما آذار/ مارس هذا العام فيمكن أن نسميه شهر العطاء المتميّز الذي لا يضاهيه عطاء، شهر أمهات الشهداء، سيما شهداء عدوان تموز/ يوليو 2006 في لبنان، وشهداء كانون 2009 في غزة الجريحة، لم تبتعد المسافة كثيراً بين تموز 2006 وكانون 2009 لا في الزمان وهو أقل من ثلاث سنوات، ولا في المكان وكلاهما كتب عليهما مجاورة شرار خلق الله من الصهاينة المغتصبين للأرض والحقوق، الذين يبدعون ويتفنون في اختراع صنوف الإجرام، كلما تقدّمت بهم الأيام، حتى أن الحرب الأخيرة على غزة فاقت بأذاها ما جرى في تموز على قساوته وبشاعته، وكان لمحاصرة المدنيين وعدم ترك أي مكان آمن لهم في داخل غزة ولا حتى تمكينهم من مغادرتها بسبب إقفال المعابر، كان لذلك الأثر في سقوط العدد الأكبر من الشهداء والجرحى، إلى أمهات هؤلاء نتوّجه اليوم، ومنهن من فقدت كامل العائلة، ولم يبق لها سوى الصبر والإحتساب عند رب العالمين، أما أمهات الجرحى فلهن مساحات الصبر الأوسع، وهن يرين فلذات أكبادهن يتعذبون أمام أعينهن، سيما مع وجود الكثير من حالات الإعاقة الدائمة بسبب الأسلحة المحرّمة التي استخدمت وأدت في معظم الحالات لمن أصيب بها وبقي على قيد الحياة إلى بتر أطرافه، أو فقد بصره.
إلى الأمهات اللواتي ما زلن في قلب المعاناة مع أحبّتهن، يراعونهم ويسهرن من أجل راحتهم،
وإلى الأمهات اللواتي افتقدن اليوم لمسة ابنائهن، ومعايدتهن لهنّ في هذا الصباح، إلى هؤلاء اللواتي ذهبن بباقات الورود إلى أضرحة إحبّائهن لقضاء يوم عيدهن هناك، إلى جانب فلذات أكبادهن الذين حرمتهم الحرب من متابعة الحياة، إلى هؤلاء الأمهات الصابرات نتوجّه بالتحايا العظيمة، بالإجلال والإحترام، وننحني أمام تضحياتهن، ونطلب من الله أن يمدهّن بالقوة، والصبر والسلوان.

رغم رهبة هذا الموقف، وما يتضمّن من معاناة، لكنهن أمّهات تعلّمن الصبر بقوة إيمانهن وعزيمتهن، وقوة إرادتهن، وهن بعون الله تعالى اللواتي كن في صلب صنع الإنتصار، وهن اللواتي ربّين المقاومين الأشداء الذين غيّروا مسار التاريخ، من تاريخ مذل إلى تاريخ مليء بنور الإنتصار.
وفي مثلهن ينطبق ما قاله الإمام الخميني الراحل (قد) " المرأة كالقرآن، كلاهما أوكل إليه مهمة صنع الرجال"، نعم، هن اللواتي صنعن الرجال الذين كتبوا التاريخ بدمائهم الذكية، فأشرق نوراً وانتصارا.
ويبقى هنالك الموقف الأشد رهبة ، والأكثر معاناة، وهو يتجسّد في حال الكثير من الأطفال الذين فقدوا أمهاتهم، وما يمكن أن يفعلوه في مثل هذا النهار، وهم يبحثون عن طيف أمّهاتهم الغائب، وأنّى لقلب طفل أن يحمل هذا العبء الكبير.
هؤلاء الأطفال الذين استقبلوا العيد بدموعهم، وخبّأوا هداياهم في قلوبهم، وعيونهم تنطق من بين زفرات الدموع، أنت باقية في القلب يا أمي، وسنترجم حبك ثأراً من هذا العدو.
فحتى الأمهات اللواتي ارتحلن عن هذه الدنيا شهداء بسبب العدوان الغاشم، قد صنعن الرجال باستشهادهن، من أطفال وشباب، ووضعن الجميع في طريق الثورة على الظلم والإحتلال.
في مثل هذا اليوم الذي تتفتّح فيه أكمام الزهور مع انطلاقة فصل الربيع، تنطلق أسراب الطيور مغرّدة لحن الأمّهات الجميل، تشدو به لكل الخمائل، تحدّثه عن معنى هذه الكلمة العظيمة سيما عندما تقترن بمعاني الشهادة التي هي أسمى العطاء.
بوركت يا أماً كنت أجمل من زهر الربيع، وأرقى من شدو الطيور، وأنبل من كل عطاء.
بوركت يا أماً كنت نبع الصبر والحنان واستحقيت عن جدارة قول الحديث الشريف "الجنة تحت أقدام الأمهات".
ماجدة ريا
21/3/2009

Thursday, March 12, 2009

الإعاقة ما بين الماضي والحاضر


الإعاقة كلمة تتردد على الألسن، ما إن تسمع بها حتى تطرق حوافي القلب وتجعله ينتبه إلى أن هناك حالة انسانية تلامس شغافه وتضعه أمام امتحان التجربة، سواء في تلقي الإصابة أو التعامل مع أصحابها.
فالإعاقة هي عدم قدرة الفرد على اكتساب الطاقات الكاملة أو إنجاز المهام والوظائف التي تعتبر طبيعية لهذا الشخص، ما يؤدي إلى انخفاض قدرته في أداء دوره الاجتماعي نتيجة للضعف أو التدريب غير الملائم لهذا الدور. إلاّ أن الإعاقة هي كلمة شاملة تُستعمل للإشارة إلى العديد من الأنواع والأنماط والمراحل المختلفة من عمر الإنسان، سنأتي على ذكرها وتفصيلها في مواضيع لاحقة ان شاء الله تعالى.
وتنتشر الإعاقة على مستوى العالم بأسره، بحيث نجد أن حوالى 10 إلى 12 في المئة من سكان العالم يعانون منها. وهذا الأمر فرض نفسه على المجتمع الدولي الذي بدأ يحاول ايجاد السبل الكفيلة بضمان حقوق هذه الشريحة من المجتمع.
في العصور القديمة كانت الإعاقة سبباً كافياً لشقاء من يعانون منها وعلى صعيدين: الأول يشمل بؤس الإعاقة بحد ذاتها، والثاني هو بؤس عدم تقبّل المجتمع لهذه الإعاقة، إلى درجة أحياناً تصل إلى صدور حكم التخلص من هؤلاء المعوّقين دون رحمة، إما بسجنهم بشروط قاسية، وإما بنفيهم بعيداً عن الناس، وإما بتعريضهم لظروف قاسية وإهمال شديد يجعلهم يلقون حتفهم.
استمرّت الحال هكذا إلى أن جاءت الديانات السماوية التي تدعو إلى الرحمة والرأفة بالإنسان عامة، وبالإنسان المعوّق خاصة، لأنه يحتاج إلى رعاية خاصة وإلى المساعدة والتأهيل للاستمرار في هذه الحياة.
وقد برز في التاريخ الحديث الاهتمام بالمعوّقين خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، التي نتج عنها ملايين المعوقين، فسعت عندها المجتمعات الإنسانية إلى العمل على إعادة تأهيل المعوقين، وإعطائهم الاهتمام الطبي الكافي الذي يساعدهم على الاندماج بشكل إيجابي مع المجتمع.
وبدأت النظرة إلى حالات الإعاقة تتطور يوماً بعد يوم بشكل تصاعدي وإيجابي إلى أن وصلنا إلى مجتمع القرن الحادي والعشرين، حيث بات التقصير في مجال رعاية المعوقين وتأمين حقوقهم واحتياجاتهم يشكل وصمة عار في جبين أي مجتمع، وبات التقدّم الحضاري للأمم يُقاس بمدى اهتمامها بالفئات الخاصة في المجتمع، وأهمّها فئة المعوّقين. ومع ذلك لا يمكننا القول ان المعوقين يعيشون اليوم في أحسن حالاتهم، إذ يبقى الأمر نسبياً بين بلد وآخر ومجتمع وآخر، تبعاً لدرجة الوعي الذي يتمتّع به أفراد أي مجتمع، وهذا أيضاً يحدّد التمايز في المعاملة مع المعوقين حتى ضمن المجتمع الواحد، كما يحدد ذلك مدى تقدم البلد وتطوّره وقدرته الاقتصادية على تأمين حاجات المعوقين من مؤسسات رعائية خاصة بهم، وغير ذلك من مستلزمات الحياة الخاصة بكل نوع من أنواع الإعاقة.
ففي البلدان المتطورة نرى مؤسسات كثيرة ومتخصصة في رعاية جميع أنواع الإعاقة وتقديم كل الخدمات المعيشية لهم، بينما ما زلنا حتى يومنا هذا نشهد أن بعض الناس في أماكن كثيرة من بلداننا العربية، يتعامل مع صاحب الإعاقة كما في العصور القديمة، بحيث يخجل البعض من حالة نسيبه المعاق، فيفرض عليه سجناً بحيث لا يراه سوى الأقارب، ويمنع عليه التحرك أو الظهور. والفارق هو أنه ربما يعاملونه برأفة ومحبّة، ويسهرون على راحته، وربما يتفانون في خدمته، ولكن دون أن يسمحوا له بالانخراط في المجتمع كفرد من أفراده يمكن أن يحرز فيه نجاحاً على مستوى الحياة، قد لا يستطيع تقديمه الأشخاص الأصحّاء أنفسهم.
إضافة إلى ذلك ما زالت الكثير من الدول تعاني عدم توافر الأمور التي تسهّل على المعوّق اندماجه في المجتمع، كأن يكون لهم مرافق متخصصة بحالاتهم في المنشآت والأبنية والمدارس، بحيث تمكن المعوّق من التنقل والحضور في كل الأماكن دون صعوبة تذكر.
لا بدّ من أن يكون هنالك توعية على مستوى المجتمعات بحقوق المعوقين، ويدخل في صلبها إعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمع، وتخليصهم من النظرة الدونية التي يُنظر فيها إليهم، مع منحهم حقوقهم كأشخاص، إضافة إلى تأمين المرافق التي يحتاجونها من قبل الدولة. وهذا ما يحاول المجتمع الدولي السعي إليه من خلال اللقاءات والمؤتمرات التي تعقد على مستوى الدول والجمعيات التي تُعنى بهذه الشؤون. وقد أثمرت هذه الجهود في السنوات الماضية اتفاقية حقوق المعوقين، وهذه الاتفاقية اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة مع بروتوكولها الاختياري بتاريخ 13 كانون الأول/ ديسمبر 2006، وفُتح باب التوقيع عليها في 30 آذار/ مارس 2007، وحتى الآن وقّع 130 بلداً على هذه الاتفاقية، من بينها 37 بلداً صدّقت عليها. وعلاوة على ذلك صار التعداد السكاني واستقصاء الأسر المعيشية يدرج أسئلة عن الإعاقة بشكل متزايد.
كما أن وعي العالم بأهمية التعامل مع الإعاقة في إطار أجندة التنمية آخذ في التزايد، إذ تعزز هذه الاتفاقية العمل عبر مختلف القطاعات لتحقيق التكامل الشامل. وقد أثرت الاتفاقية بالفعل ولا تزال في المساعدات الإنمائية الدولية، وكذلك مشروعات البرامج التي يتبعها البنك الدولي.
وقد دخلت هذه الاتفاقية حيز التنفيذ بتاريخ 3 أيار/ مايو 2008.
الاتفاقية لم تضع حقوقا جديدة للأشخاص المعوقين المقدر عددهم بنحو 650 مليون شخص في العالم، إلا أنها تهدف لضمان تطبيق الحقوق التي نصت عليها سابقاً، كي يستطيع الأشخاص التمتع بها.
يجب على الدولة التي تُصدّق على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، أن توافق على أن تكون ملتزمة قانونا بمعاملة الأشخاص ذوي الإعاقة كأفراد خاضعين للقانون وذوي حقوق محددة تحديدا واضحا، مثلهم في ذلك مثل أي شخص آخر. وعندها سوف يتعين على هذه الدولة أن تقوم بتعديل تشريعاتها الداخلية لكي تتماشى مع المعايير الدولية التي وضعتها الاتفاقية.
إنها خطوة مهمة في سبيل تطوير المجتمع البشري، وإن كانت لا تزال في بداياتها وتحتاج إلى الكثير من الجهد والوقت والمتابعة والتعاون بين الدول والجمعيات، من أجل الاهتمام بهذه الفئة الضعيفة من المجتمع، وتحويلها من فئة تشكّل عبئاً إلى فئة فاعلة ومنتجة.
ماجدة ريا

Thursday, March 05, 2009

الإمتحانات المدرسية هدوء أم قلق

على مدار العام الدراسي تتلاحق الامتحانات، من شهرية تتعلّق بسعي كل شهر إلى امتحانات فصلية تمتحن الطالب فيما أنجزه خلال الفصل الاول، حتى نصل في آخر العام إلى الامتحانات النهائية التي تحكم على جهد عمل الطالب خلال عام كامل.
ولعل هذه الامتحانات يكون لها ميزة خاصة في المراحل المفصلية من حياة أي طالب، وهي حتى عندما تجرى خلال العام تكتسب جدّية وصعوبة معينة من أجل تهيئ الطالب لما يُسمى بالامتحانات الرسمية التي تجريها الدولة وفقاً للبرنامج الذي أعدّته، وإن اختلف تطبيقه من مدرسة لأخرى، وفي بعض الاحيان يكون الامتحان موحداً لكل الطلاّب في لبنان لكل مرحلة من المراحل التعليمية، ولذا تأخذ المدرسة على عاتقها تدريب طلاّبها وإعدادهم من خلال تجارب مشتركة مع مدارس أخرى، يعتاد فيها الطالب على أن من سيضع الاسئلة لن يكون أستاذه وكذلك من سيقوم بالتصحيح لن يكون أستاذه أيضاً.
فمن المعلوم أن الاستاذ يفهم تلاميذه، ويعرف السبل التي يمكن أن يسلكها معهم، وهم بدورهم يعرفون طريقته في طرح الاسئلة، وفي التصحيح، ما يعجبه وما لا يعجبه، بينما في الامتحانات المشتركة كل ذلك لن يكون موجوداً، وعلى الطالب أن يكون جاهزاً لكل الاحتمالات.
فإذا كان البرنامج موحداً فإن طريقة طرح الاسئلة تختلف من شخص لآخر ومن لجنة لأخرى، وطريقة التصحيح أيضاً حتى وإن كان هنالك مخطط معين لكل مسابقة، ومن هذا المنطلق تكون هذه الامتحانات أصعب من الامتحانات العادية، وهنا تكمن أهمّية المدرسة في إعداد الطالب جيداً لمثل هذه الامتحانات.
ولعل هذا ما يجعل هؤلاء الطلاّب أكثر توتّراً وقلقاً في الامتحانات، وخاصة أن القلق من الامتحانات قد يلازم أي طالب أمام أي امتحان، وإن كان يزداد وضوحاً في الامتحان النهائي الذي يكون فيه أمر الحسم.
وما يزيد من قلق الطالب هو الاهمّية التي يعطيها الاهل لهذا الامتحان، وكذلك التلميذ، خاصة عندما يكون هذا الامتحان مفصلياً، ونتيجته الانتقال من مرحلة لأخرى، كما في مرحلة الصف التاسع (البريفيه)، او البكالوريا القسم الثاني.
ويصبح القلق أكثر بروزاً عندما تتراكم المواد التعليمية على التلميذ من دون أن يكون متمكّناً منها، وهذا يعني أنه لم يستعد بشكل جيد للامتحان.
وعوارض القلق تختلف من طالب لآخر وفقاً لطبيعة هذا الطالب، كذلك درجة القلق الذي يعاني منه.
وتظهر عوارض القلق من خلال الامور التالية: قلة النوم، قلة الشهية، ضيق التنفس، تصبّب العرق، ارتعاش اليدين، تسارع خفقان القلب، جفاف الحلق، برودة الاطراف، الغثيان.
ولكي لا يقع الطالب في حالة التوتر والقلق لا بد له من الالتفات إلى بعض المسائل:
ـ أن يهتمّ بصحّته فيتناول الغذاء الصحي الغني بالفيتامينات، وأن يعطِ نفسه وقتاً كافياً للنوم والترفيه، وأن يقوم ببعض التمارين الرياضية التي تساعده على التنفّس والاسترخاء. ومن المهم أن يتجنّب المنبّهات وأن لا يتناول المنشّطات خاصة في أيام الامتحانات. كما عليه أن يختار مكاناً هادئاً ليتمكّن من الدراسة بشكل جيد.
ـ أن يحدّد أهمية الامتحان على أنه وسيلة لقياس ما حصّله من تعليم وليس غاية في حد ذاته، كما عليه أن يثق بنفسه وقدرته على اجتياز الامتحان، وأن لا يقارن نفسه بالاخرين.
وحتى يستطيع أن يكون واثقاً من نفسه في يوم الامتحان لا بد وأن يكون قد أعدّ نفسه بشكل جيد في فترة ما قبل الامتحانات، من خلال مراجعة ما هو مطلوب منه.
كي تكون المراجعة ناجعة، هنالك بعض الخطوات المهمة التي تساعد الطالب في تحقيق ذلك، أهمها:
وضع خطة منظّمة لمراجعة المواد الدراسية، كما عليه أن يحدد بدقة الوقت الكافي الذي تحتاجه مراجعة كل مادة، ويلتزم به، وأن يمنح وقتاً كافياً للمواد الطويلة والصعبة والتي تحتاج لذلك.
ومما يساعد في عملية المراجعة أيضاً متابعة المراجعة العامة التي تجري في المدرسة، والاستعانة بالمراجعة التي تقدم في البرامج التعليمية في الاذاعة والتلفزيون وغيرها.
ومن المفيد اتباع أسلوب التسميع الذاتي، أو من قبل الاخر فهو يساعد على تثبيت المعلومات، ويمكن ايضاً الاعتماد على استراتيجية التكرار والكتابة، من أجل التأكّد من تلك المعلومات.
هنالك خطوات يمكن أن تبعد عنه التوتر في يوم الامتحان منها:
ـ أن تكون ليلة الامتحان للمراجعة النهائية فقط، وليس للمذاكرة حتى لا يرهق الطالب جسمه، وأن يحصل على قسط واف من النوم خلالها، وأن لا يتناول فيها المنبّهات.
ـ وفي صباح يوم الامتحان عليه أن يستيقظ باكراً، ويتناول طعام الافطار، ويحضر معه الاغراض الاساسية (التي عليه أن يكون قد جهزها مسبقاً كي لا ينسى شيئاً منها)، وعليه أن يتجنّب المراجعة على الطريق، كما عليه أن يحذر من المناقشة الجماعية قبل الامتحان كي لا تشتت أفكاره.
لا بد من الاشارة إلى دور الاهل في مساعدة ابنائهم في التخلص من القلق الذي يعانون منه، وذلك من خلال تهيئة الاجواء المناسبة لهم، ليدرسوا في جو هادئ خال من المشاكل، وأن لا يكونوا عنصر ضغط عليهم فيحمّلوهم فوق قدراتهم، ومن المهم أيضاً أن يظهروا لهم محبّتهم وعطفهم، إذ أن كثيراً من الاهل لا يظهرون حبهم لأبنائهم بيد أن إظهار المحبة للأبناء يؤدي إلى نتائج إيجابية يجعلهم أكثر أمناً واستقراراً، ما يزيد من تحفّزهم للدرس والمراجعة، كما أنه عليهم أن يقدّموا لهم اي مساعدة قد تلزمهم.
إضافة إلى ذلك، فإن التربية تلعب دوراً فعالا في إعداد الطالب الواثق من نفسه، لأن الطالب الذي يتربّى على الوضوء والطهارة وأداء الصلاة، وعلى تلاوة القرآن الكريم ودوام ذكر الله، والتسبيح والدعاء بكل أشكاله، فإنه يكون أكثر هدوءاً واطمئناناً "ألا بذكر الله تطمئن القلوب".. ففي ذلك أثر كبير على الطالب كما على أي انسان، فإن الاستعانة بالله تسهّل الامور، وتجلب الهدوء للنفس.
هذه التربية السليمة ستجعله يبتعد عن الغش، وعن كل ما يربكه خلال فترة الامتحان، فلنساعد أبناءنا من خلال تربيتهم تربية إسلامية صحيحة، تعينهم على اجتياز امتحاناتهم، وعلى تخطّي مراحل حياتهم بهدوء وطمأنينة، وتجعل منهم أشخاصاً أسوياء وأكفاء.
ماجدة ريا

خجل عند الكبار أم حياء

خجل عند الكبار أم حياء: هل الخجل هو ذاته الحياء؟ والحياء هو الخجل؟
لعلّ الأمر يلتبس لدى البعض فيظن أن الخجل والحياء واحد، في الوقت الذي يقع كل منهما على طرفي نقيض.
وإذا كان الخجل هو حالة مرضية يصنّفها علم النفس تحت عنوان أمراض القلق والتوتر، فإن الحياء هو حالة من الصحة النفسية الجيدة، وهو خلق يبعث على ترك القبح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، كما أنه متلازم مع الإيمان فالحديث الشريف يقول: "الحياء والإيمان قرنا جميعًا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر".
ومن المعروف أنه إذا أردنا أن ننتقص من قيمة شخص ما قلنا فيه "إنه من دون حياء"، وهذا يعني أنه يفتقد إلى صفة جيدة يمكن أن ترفع من قدره في حال وجودها.
أما القول بأن "فلان خجول" فهذا يعني أن هذا الشخص يفتقد إلى القدرة على مواجهة الأشخاص والمواقف، وهذا يعني أنه في حالة غير جيدة ويحتاج إلى معالجة للتخلص من هذه الحالة.
إذاً الحياء مطلوب بينما الخجل مرفوض، وقد عبّر البعض لشرح التباين بين هذين الحالتين بالقول: "إن الخجل هو شعور بالنقص داخل الانسان, فيشعر أنه أضعف من الآخرين، وانه لا يستطيع مواجهتهم حتى ولو لم يفعل شيئا خطأ، أما الحياء فهو شعور نابع من الاحساس برفعة وعظمة في النفس".
فالشخص الذي يملك الحياء هو شخص مدرك لأبعاد الأمور، وعلى درجة عالية من المعرفة والاطلاع والثقافة بما يجب أن يفعل، ويعرف أن رفعة النفس تكون بالمحافظة عليها عزيزة كريمة فلا يوقعها في الخطايا، والشخص الذي يملك الحياء يستحي أن يرتكب الإثم لأنه يعرف حرمة ذلك، وهو لا يحب ذلك لنفسه فيترفّع عن الشوائب، خاصة المؤمن فهو يستحي أن يواجه ربّه بذنوبه، وحياؤه هذا يزيده ايماناً ورفعة.
فالحياء هو الذي يزيد الإنسان وقاراً وهيبة ويجعله محبوباً بين الناس، لأن الشخص الذي يمتلك الحياء لا يفعل ما يخل بالمروءة والتوقير. ولا يؤذي من يستحق الإِكرام، ويفعل ذلك حباً بالله وكرهاً بالمعصية.
والحياء هو من صفات النفس المحمودة، هو رأس مكارم الأخلاق، وزينة الإيمان، وشعار الإسلام. كما أنه دليل على الخير، ومخُبْر عن السلامة، ومجير من الذم، ويجعل صاحبه يتحلّى بصفة من صفات الأنبياء والصالحين.
أما الخجول فهو شخص مختلف تماماً، وهو تنقصه المعرفة والقدرة على التصرف السليم، فخبراء الصحة النفسية يردّون ذلك إلى فقدان المهارات الاجتماعية والنظرة السلبية للنفس والذات، أي أن الشخص لا يثق بقدراته أياً كانت حتى لو امتلك ما هو أفضل من غيره، ومثل هؤلاء الأشخاص هم بحاجة للإرشاد والمساعدة من أجل التخلّص من خجلهم، ولا بد لهم من البحث عن كيفية إصلاح ذواتهم من أجل إبعاد شبح الخجل عنهم، والأمر يحتاج إلى قرار ومصارحة مع الذات، ومن ثم امتلاك الإرادة لتنفيذ ما يريد.
من المهم أن يعلم الشخص الخجول أن كل فرد معرض لأن يخطئ بلحظة ما أو في مكان ما وإن بدرجات متفاوتة، والإنسان يتعلم من أخطائه، فيجب أن لا يخجل من عدم معرفته لأمر ما، وإنما عليه أن يسأل عنه كي يعرفه، وليس بالسؤال وحده يستطيع استعادة ثقته بنفسه إذ بإمكانه أن يوسّع آفاق مداركه من خلال وسائل المعرفة المنتشرة بكثرة من الوسائل الإعلامية المتعدّدة والمتنوعة إلى الكتب والمجلات المفيدة أو الخضوع لدورات ثقافية، ولكن عليه أولاً أن ينظر إلى نفسه ويحدّد مواطن الضعف لديه، فيحدد بذلك ما يحتاج أن يعرف، وما هو الأمر الذي يربكه أمام الآخرين ويتسبب له بالخجل في مواجهته، فيحاول أن يقرأ أو أن يعرف أو أن يسأل عن هذا الأمر حتى يتيقن في قرارة نفسه من امتلاك معلومات يثق بها فتعطيه الثقة بنفسه، وبالتالي الثقة بمواجهة الاخرين.
من المفيد له بحسب خبراء علم النفس إجراء مقارنة مع الآخرين، بينه وبين نفسه، فيعمل على تطوير ذاته قدر ما يستطيع، وأن يثق بما يفعل، وبما يستطيع أن يفعل، كما يجب أن يعرف أن هؤلاء الناس مهما اتسعت معرفتهم وخبراتهم فإنهم بشر محدودو المعرفة، وهذه المعرفة تتسع وتضيق من شخص لآخر، وهو بإمكانه أن يكوِّن المعرفة التي يريدها عندما ينظر إلى نفسه على أنه انسان قابل لأن يتعلّم ويتفاعل مع المجتمع، فلا ينظر إلى الناس برهبة.
في مرحلة أولى يمكن للشخص الخجول أن يراقب الآخرين الذين يتصرّفون بشكل طبيعي، ويسعى إلى تقليدهم، من خلال اكتساب مهارات التصرّف السليم، كما يستحسن له الانخراط أكثر في إقامة علاقات اجتماعية، والتواصل مع الآخرين والابتعاد قدر الإمكان عن حالة العزلة التي يفرضها الخجل.
وفي النهاية لا بد من التمييز بين هاتين الحالتين في المجتمع، من أجل مساعدة الخجول لبناء شخصية سليمة، قوية وواثقة بمحيطها، ومن أجل الثناء على من يتمتّع بالحياء، لأنه في الحياء إحياء للدين، ومساهمة في بناء مجتمع سليم.
ماجدة ريا

Thursday, February 12, 2009

وقفة رجل

مهداة إلى أستاذي
يمرّ الناس من أمامي كأنّهم خيالات، أدرك حقيقة وجودهم، وأشعر أنهم قدموا للمواساة، لكن رأسي لا يستطيع أن يستجمع ما أنا فيه، فبالكاد يدي تصافح أيديهم بحركة تلقائية، أو أرد عليهم بكلمات يمكن أن لا تضل طريقها إلى شفاهي، فهي مجرّد كلمات الشكر والإمتنان، وأنا لا زلت أقف بينهم أغوص في أعماقي، فتراني فقدت صمّام الأمان، وبات الأوكسجين الموجود في الهواء لا يكفيني إلى درجة أشعر معها بالإختناق.
أبتلع مرارة الكأس، مذهولاً، أسال نفسي عمّ حل بي؟ ها أنا أفقد الخيط الأخير الذي كان يربطني بكل ذلك الماضي العتيق، ذلك الماضي الذي انقطعت عنه ذات يوم، رغم كل ما كان يُقال عن حبنا وحياتنا وانسجامنا، رغم كل تلك الحياة الراقية، رغم كل شيء.. انقطع كل شيء، وبقي منه طفلان، صبي وفتاة، كانا الماضي الذي كبر ، وكبر إلى أن تجسّد بأجمل شاب وأروع فتاة.
تربيا في أحضان عائلتي الجديدة، لم نبخل عليهما بالعاطفة، بل رأيت نفسي وروحي في ابني البكر، وفي إشراقة وجه ابنتي عشت نضارة الحياة.
أتنهّد لأتنشّق بعضاً من الهواء المفقود، فأشعر أن تنهيدتي هي أكبر من زفرة وجع من اقتطع شيء من ذاته!
عندما بتروا ذراعه بسبب ذلك الورم، ظننت أنه سيعيش ولو من دون ذراع، سيكمل دراسته الجامعية، سيكبر وسيتابع الطريق..
لم أصدّق يومها، ربما لأنني ما أردت أن أصدّق، فالحقيقة سرعان ما صفعتني، صفعتني بقسوة اختطاف زهر الربيع من بين يديّ، تشبّثت به، لكنني لم أفلح في استبقائه، لم يبقَ بل غادر وفارقنا على عجل من ضاقت به الدنيا، واستعجل الإرتحال إلى العالم الآخر، تاركاً أريجاً من ذكرى تتربع على عرش قلبي.
هنا مرّ، هنا جلس، هنا كان يغفو على أحلام الصبا، ترى هل رافقته في رحلته الطويلة؟
غادر على عجل، غادر ولم يبقَ..
بقيت لينا... زوّجتها، وفرحت بها، وأنجبت لي أحفاداً..
كانت تتألّق كطفلة مدلّلة، حتى عندما كان يمتدّ بها العمر، فما يزداد فيها سوى المرح والبراءة، وغمّازتا خدّيها تطويان الضحك، وتعبّئانه في سلاّت الذاكرة، ليتسرّب منها متحوّلاً إلى حزن عميق يلفّ غياهب الأعماق، تترقرق الدموع في عيني، أحبسها، لا أريد أن أبكي، هل أبكي أمام الناس؟ أم أنتظر إلى أن أجلس في غرفتي وأقفل الباب على نفسي ، أشعر برغبة ماسة في البكاء تجتاحني بمرارة، ولكن هل استطيع...؟
الأحفاد الصغار ينتظرون أن يجلسوا في حضني بعد أن يغادر الناس، أن يسألوني بلهفة جارحة أين رحلت ماما؟ أين تركتنا؟ لماذا لم تعد؟ لا تتركنا يا جدو ابقَ معنا.
ها هي الدموع تهمل من عيني رغماً عني، أرفع يدي الثانية لأمسحها قبل أن يشعر بذلك أحد.. ربما شعروا!
قلبي يشتعل بالنار، يحتاج لكثير من الدموع كي تطفىء لظاها...
أيضاً لا أصدّق ما جرى لي، لم تشكُ من شيء سابقاً...
هو ألم في الضرس! قال الطبيب أنه يجب أن نخلعه، لاستئصال الورم الذي تحته، أيعقل هذا...
خُلع الضرس، وخُلع قلبي معه!
لماذا؟ لماذ يحدث كل ذلك؟
هل يجب لصفحة ذلك الماضي أن تُطوى وتُرمى في دفتر ذكريات قديم؟
كنت قد طويتها يوماً، لكنني ما أردت أن أطوي أولادي معها؟
ما تصورت أنني سأشهد دفنهما بهذ السرعة!
لم يمهلاني كثيراً حتى غابا، تاركَين في القلب غصة وحرقة!
تركاني... رجل يقف وسط الناس، يبحث بينهم عن صورة ولديه، فيغمض عينيه ليراهما في أعماق قلبه.
لماذا؟
ما زالت كلمة لماذا تطرق رأسي بقوة فتطحنه، أهو امتحان إلهي؟ امتحان إنهاء كل تلك الحياة؟
يا له من امتحان!
إلهي أعني على تخطي هذا الإمتحان الذي أدمى قلبي.
ماجدة ريا
21/6/2008

الخجل عند الأطفال

الطفل هو تلك الزهرة الندية التي تزيّن حياتنا، وتملأها فرحاً وسرورا. وهذه الزهرة تحتاج منا إلى الكثير من العناية والرعاية كي تنمو جميلة، وتحافظ على زهوها وألقها.
والخجل هو نوع من الأمراض النفسية التي تنتشر في المجتمعات الإنسانية التي يمكن أن تؤثر سلباً في حياة الطفل وإبداعه، ولا بد من مساعدته ليبقى لتلك الزهرة عطرها الفواح.
فالدراسات العلمية تشير إلى أن الخجل هو أكثر الأمراض النفسية انتشارا بين مجموع أي شعب بنسبة من 8 إلى 12%. ويصيب هذا المرض الأطفال والمراهقين والكبار، على أن نسبة انتشاره تكون أعلى بين الأطفال والمراهقين، حيث تشير الدراسات أيضاً إلى أن هناك نسبة كبيرة من المراهقين يتألمون من انفعالية مفرطة أمام بعض الأشخاص والمواقف، فيشعرون بالخجل من التعبير عن المشاعر.
ومن هنا يجب علينا النظر في حال هؤلاء البراعم التي تتفتح بيننا، والعمل على مساعدتها لتتمتّع بشخصية سوية وسليمة.
ولا بدّ لنا من النظر في الأسباب التي يمكن أن تؤدّي إلى الخجل، لكي نصل إلى الحلول المناسبة لها.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الدراسات الحديثة تشير إلى أن التغيرات الفسيولوجية والكيماوية التي تحدث للإنسان من الخجل الاجتماعي، سببها أن الإنسان يولد باستعداد معيَّن لهذا، والبيئة إما تطفئ الاستعداد أو تعززه. وهذه البيئة تكون نواتها العائلة التي تتعامل مع هذا الطفل بشكل مباشر، ومن ثم المجتمع الذي يحيط به، والأشخاص الذين يخالطهم، إضافة إلى البيئة المدرسية التي يوجد فيها.
فعندما يسود المنزل، وهو البيئة الأساسية لهذا الطفل، أجواء سلبية، فإنها بلا شك ستنعكس على نفسيته. فالقسوة من قبل الأهل والتعنيف والعقاب القاسي والتهديد المستمر للطفل، والنقد القاسي والمستمر خاصة أمام الآخرين، والمقارنة السلبية بين الأطفال، كل تلك الأمور تجعله يعيش في حالة نفسية صعبة، وتجعله يخاف من فعل أي شيء قد يسبب السخط عليه، أو قد لا يرضي من حوله، فيتردّد في التعبير عن رأيه أو عن رغباته، بل ربما يُحجم عنها أحياناً.
إضافة إلى ذلك فإن الخوف الزائد من قبل الأهل على الطفل والنابع من الرغبة في حمايته، وخاصة من قبل الأم، يُضعف ثقة الطفل بنفسه ويجعله متردّدا وخائفاً من كل شيء حوله.
وكذلك فإن ضعف العلاقات الاجتماعية أو انعدامها وعدم الاختلاط بالآخرين يجعل الطفل غير قادر على التعاطي مع هؤلاء، وغير قادر على التكيّف معهم عند اضطراره للحضور بينهم.
ومن هنا يتبيّن لنا أن للتربية دوراً أساسياً في بناء شخصية الطفل وتعزيز ثقته بنفسه، إضافة إلى تعزيز قدراته وملكاته التي تجعل منه سيد هذه النفس.
من المهم هنا اتباع بعض الخطوات التي تساعد في تدعيم ثقة الطفل بنفسه، أهمها أن نتعامل معه على أنه شخصية مستقلّة لها احتياجاتها وعالمها الذي يجب تفهمّه من جهة، وإفهامه وتوعيته من جهة أخرى بما يتناسب مع عمره.
وهنا يوصي خبراء التربية بأن نتّبع معه أسلوب الحوار منذ الصغر، فنصغي إلى كل ما يقول، نقوّم ما يحتاج إلى تقويم من دون استخدام أساليب النقد الجارح، بل نشرح ما هو جيد، ونشجّع ما هو جيد لديه ونثني عليه، ونؤمّن له ما يساعده على تنمية مهاراته حتى نبني ثقته بهذه القدرات مهما كانت صغيرة. وإن لم تكن موجودة نؤمن له ما يستطيع فعله، ونساعده لأن يكون قادراً عليه، على أن لا نفرض عليه أشياء لا يحبها.
إن الحنان والمحبة التي نغدقها على الأطفال هي التي تساعدهم على بناء ثقتهم بأنفسهم، فعندما يشعر الطفل بأنه غير مرغوب فيه سواء في المنزل أو في المدرسة أو في المجتمع، فإنه سينطوي على نفسه، لذا لا بد من أن يشعر بمحبة الآخرين له وباستيعابهم لما يفعل. لذا فالتربية الحديثة تُشجّع على التعاطي بإيجابية مع الطفل وعدم التقليل من شأنه أو قدراته، بل البحث دائماً عن الأمور الإيجابية وتشجيعه للتقدم، وتفهّم أخطائه ومساعدته على تجاوزها من خلال تقديم العون له لا من خلال تأنيبه ومعاقبته وانتقاده.
كما أنه من المهم أيضاً الالتفات إلى التفاعل الاجتماعي ومساعدته على أن يكون له أصدقاء جيدون.
هنالك حالة من الخجل تنشأ لدى الطفل بسبب حالة إعاقة جسدية يعاني منها، في هذه الحالة يكون دور الأهل مهماً في طريقة التعاطي مع هذه الحالة. فبعض الناس يخجلون إذا كان عندهم في المنزل مثل هذه الحالة، وهذا خطأ شائع، إذ يجب عليهم العيش مع هذه الحالة على أنها أمر واقعي لا يُخجل منه. وكم من المعاقين أنجزوا في حياتهم ما لم ينجزه أشخاص طبيعيون! لذا يجب أن يساعدوا طفلهم على تقبل الأمر الواقع والتصرف بإيجابية معه، ودفع الناس أيضاً للتصرف بإيجابية مع مثل هذه الحالة.
ولا بد في النهاية من الالتفات إلى مسألة غاية في الأهمية، وهي أن لا يُقال عن الطفل في حضوره: "انه خجول"، كما يجب محو هذا الاعتقاد من رأسه اذا وُجد، وتعويد الطفل أنه يمكن أن يقوم بأي شيء يريد القيام به كما كل الأطفال، وأنه يمكنه أن يفعل ذلك، وإنّ فشله في ذلك ليس عيباً، وأنه يمكن أن ينجح اذا استمرّ في المحاولة، إذ يجب أن لا يعتقد الأهل أو الطفل أن الخجل مسألة طبيعية أبداً، وإنما هي حالة طارئة لا بد من التخلص منها.
وبقي أن نقول: إن التربية السليمة هي التي تؤدّي في النهاية بناء شخصية متوازنة، تعرف كيف تعبّر عن الملكات المخزونة في داخلها بشكل ايجابي يحفظ نضارة أزهارنا وسلامتهم.
ماجدة ريا

Saturday, January 31, 2009

هل تحاكم اسرائيل؟


جرت العادة أن تشنّ اسرائيل عدوانها، ومن ثم تتابع مسيرتها الإجرامية وكأن شيئاً لم يكن.
هي ليست المرّة الأولى التي ترتكب فيها اسرائيل المجازر، وإن كانت هذه المرة في عدوانها على غزة تبدو الأعنف، وكأن اسرائيل تسير في وتيرة تصاعدية في اتباعها الهجمات والحروب العدوانية، وفي جرأتها باستخدام الأسلحة المحرمة دولياً، حتى بدا أنها في حربها الأخيرة تستعملها بكل وضوح، ولا سيما قنابل الفسفور الأبيض التي فتكت بالمدنيين بشكل جلي، بالإضافة إلى عمليات التدمير الشامل والممنهج للبيوت والمؤسسات من دون أي اكتراث.
كما أنها ليست المرة الأولى التي يكون هنالك مطالبة على مستوى العالم من هيئات إنسانية أو منظمات حقوقية أو أشخاص بمحاكمة اسرائيل، لكن هذا الأمر كذلك يبدو أنه يسير بوتيرة تصاعدية أيضاً مع تصاعد الإجرام الصهيوني من جهة، ومع الزيادة في الوعي العام بهذه القضايا الحقوقية على مستوى العالم من جهة أخرى.
لقد قُدّمت في السابق دعاوى أمام المحكمة الجنائية في لاهاي وأمام العديد من المحاكم الأوروبية ضد مسؤولين سياسيين وعسكريين اسرائيليين، ومع أنه لم يتسنَّ لتلك المحاكم محاكمة هؤلاء حتى الآن، إلاّ أن هذه الدعاوى أربكت إلى حد ما هؤلاء المسؤولين وجعلتهم يعزفون عن الذهاب إلى أماكن يمكن أن يلاحقوا فيها بسبب جرائمهم.
من الواضح أن اسرائيل لم تكن تعير أي اهتمام لهذه التحركات القضائية، وتعتبرها ضعيفة إلى حد لا يؤثّر فيها، فكانت تزداد مضياً في إجرامها، وهي تدرك أن المرجعية لمقاضاة الدول هي منظمة الأمم المتحدة التي تسيطر عليها الولايات المتحدة الأميركية، والتي لا يمكن أن تُمِرَّ فيها قراراً يؤذي اسرائيل فتتحصّن دائماً بالفيتو في مواجهة أي قرار ضد اسرائيل، وهكذا يتصوّر هذا الكيان الغاصب أنه سيبقى في حلّ من أي مساءلة قانونية، أو على الأقل يستطيع التملّص منها حتى لو جرت.
ولكن الذي يحدث اليوم يشير إلى أن المعنيين برفع مثل هذه الدعاوى، هم أكثر تنبّهاً من أي وقت مضى، حتى أن ذلك أعطاهم المزيد من الإصرار والاندفاع للبحث عن طرق بديلة لمحاكمة اسرائيل، وقد تبيّن أن هنالك إمكانية كبيرة لملاحقة المسؤولين السياسيين والعسكريين الإسرائيليين المتهمين بجرائم حرب أمام العديد من المحاكم الأوروبية التي تجيز قوانين القضاء فيها النظر في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية أياً كانت جنسية مرتكبها، أو مكان ارتكابها كما هو الحال في اسبانيا، هذا بالإضافة إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي برغم أن اسرائيل لم توقع على المعاهدة المؤسسة لهذه المحكمة، وهذا الأمر بحسب المحامي الفرنسي جيل ديفير ـ الذي صاغ نص الدعوى التي تقدّمت بها تسعون منظمة فرنسية أمام هذه المحكمة لمقاضاة اسرائيل بسبب جرائم الحرب التي ارتكبتها في عدوانها على غزة ـ قد يطرح صعوبة شديدة، لكن في المقابل هنالك كثير من العسكريين الإسرائيليين يحملون جنسيات مزدوجة بما فيها الجنسية الفرنسية, وهذا يمكن أن يسهل مقاضاتهم في البلدان التي يحملون جنسياتها.
وقد تزامن رفع هذه الدعوى مع تحرّك أكثر من 320 هيئة ومنظمة عربية وإقليمية ودولية تسعى إلى تقديم كل الدعاوى الممكنة في هذا الشأن، ومنها دعوى أمام هذه المحكمة، وأخرى أمام القضاء الإسباني.
وفي المغرب طالب المحامون وزير العدل المغربي بتضمين القانون المغربي بنوداً تمنع المغاربة الإسرائيليين من الدخول إلى المغرب باعتبارهم مجرمين مشاركين في الاعتداء على الفلسطينيين.
كذلك قدم السفراء العرب في الوكالة الدولية للطاقة الذرية طلباً للتحقيق في استخدام إسرائيل ذخائر تحتوي على اليورانيوم المنضب في حربها على سكان قطاع غزة، برغم أنه يُخشى أن يكون مصير هذا التحقيق كالذي أجرته الأمم المتحدة بعد عدوان تموز في لبنان، وهو الإخفاق في إيجاد أدلة على ذلك.
أما الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون فقد طالب إسرائيل بتقديم تفسير كامل لقيامها بقصف مقرات الأمم المتحدة في قطاع غزة، ومحاسبة المسؤولين عن ذلك، لكن يُخشى أيضاً توقف الأمر عند حدود المطالبة، ولا سيما أن اسرائيل سبق لها أن فعلت ذلك في عدوان تموز على لبنان ولم تحاسب.
مع كل هذا الحراك القضائي باتجاه مقاضاة اسرائيل على جرائمها، قال رئيس المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان راجي صوراني إن 57 باحثا ومتخصصا في القانون "يعملون الآن على توثيق كل ما حدث من الوقائع لبناء ملفات قانونية لاستخدامها لدى النيابة العامة في أي مكان"، لأن التوثيق القانوني يحتاج وقتاً وجهدا كبيرين، لكن المؤمنين بعدالة القضية يعملون بلا هوادة في تلك الملفات التي سيحتاجها كل الذين تقدموا بدعاوى ضد اسرائيل.
كما أكدّ صوراني أن استخدام آليات القانون الدولي الإنساني أدخل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في "بعد رابع جديد يدعم الصراع السياسي والكفاح المسلح، الذي هو حق مشروع"، وقد اعترفت بذلك منظمة واتش الإسرائيلية غير الحكومية معتبرة أن الفلسطينيين نجحوا في جعل "قادة إسرائيل من ساسة وعسكريين، أسماؤهم ملوثة مثل ميلوسوفيتش وبينوشيه".
والجدير بالذكر أن عدد المسؤولين الإسرائيليين من العسكريين والسياسيين المطاردين أمام المحاكم في دول متعددة بلغ 87 شخصية.
من الواضح أن رد الفعل الإسرائيلي لم يستطع أن يخفي تأثّرها بهذه الاتهامات التي حاولت دفعها عنها بشتى السبل، لكن يبدو أنها بدأت تدرك أيضاً أنها ستسبب لمرتكبيها العقاب، لذا فهي تستعد لمواجهة هذه القضايا التي رُفعت ضد مسؤولين في الحكومة والجيش الإسرائيلي، وقد منعت الكشف عن الضباط الإسرائيليين الذين شاركوا بالعدوان الأخير على غزة، وسمحت لكل من يشتبه في احتمال تعرضه لملاحقات في قضايا جرائم حرب باستبدال جواز سفره بآخر مزور. كما أنها أعلنت أنها ستعاقب كل من يدلي بمعلومات تساعد على توريط الإسرائيليين في جرائم حرب بالحبس عشر سنوات، بالإضافة إلى أنها شكلت لجنة لمتابعة الموضوع وإعطاء الاستشارات القانونية.
كل هذا الإرباك على الساحة الإسرائيلية يعني أن مثل هذه الإجراءات القانونية سيكون لها الأثر الفاعل، وأن اسرائيل من حيث لا تشعر قد وقعت بشر أعمالها.
قد لا تتمكن هذه المحاكم من إحضار المسؤولين الإسرائيليين ومحاكمتهم، لكن يكفي هؤلاء في المرحلة الحالية أنهم سيعيشون في حالة من عدم الاستقرار النفسي، وعدم الأمان، وسيكونون مقيّدين في الحركة، كل ذلك سيكون مرحلة أولى من مراحل دفع الحساب على ما ارتكبوه من جرائم شنيعة، وأن أسماءهم اقترنت بما تستحق من ألقاب مجرمي الحرب، على أن تتمة الحساب قادمة لا محالة.
ماجدة ريا

Saturday, January 24, 2009

المرأة في غزّة سند المقاومين

من قال إن مجتمعاً فيه مثل هذه المرأة يمكن أن يُهزم؟
أنظروا في وجهها الذي ألقت عليه السنون حملها وحفرت فيه التجاعيد، فازدادت نظرة عينيها ثقة وقوة وعزيمة، هذا الحمل في التصدّي للاحتلال على مدار السنين، أعطى تينك اليدين هذه العزيمة.
لله درك من امرأة أخت للرجال.
إنّها امرأة من غزّة الصمود والإباء، لم تحنها محن الاحتلال، بل وقفت شامخة كشلاّل قوة هادر، تعبّر عن ذلك الأنموذج الرائع الذي لم تكتفِ معه المرأة بالعناية بالأسرة، وتربية الأبناء، ومساندة المقاومين، والمساهمة في معالجة الجرحى، بل أبى البعض منهنّ إلا أن يكن في سوح القتال، أن تحمل القاذف أو الرشاش، وأن توجّهه إلى نحر من أراد أن ينحر الوطن والأبناء، والزوج والأهل والأحبة، لتقول للعدو: حتى نحن النساء سنقاتلك حتى الرمق الأخير، ولن يكون لك في أرضنا قرار أو مستقر.
نعم، أولئك الصهاينة يخافون من الطفل والمرأة، الطفل الذي يرمقهم بعينيه فتتكلّم نظراته: "لن يبقى حقنا مغتصباً، سننتزعه منكم مهما طال الزمن ومهما قتلتم منا، فلن تقتلوا فينا الإرادة".
هذا الطفل قد ربّته امرأة من أرض الرباط، جبل فكرها بتراب الأرض، فسرى حبّها في الشرايين، لتغذّي به أبناءها، ولتتجلّد به على أعدائها، أولئك القوم الصهاينة الذين لفظتهم البشريّة، ليبنوا وكرهم على أرض فلسطين الطاهرة، لكن هذا لن يدوم طويلاً.
إن ما فعله الصهاينة في عدوانهم على غزة، جلا الغبار عن الصورة فيها، فظهرت نقية، واضحة كالشمس في رابعة النهار، إنها صورة المرأة التي أعطت بلا حدود، غطّت وجه ابنها الشهيد بيدها وهي تقول بعزم وايمان: "مبارك عليك الجنة يا ولدي، نلتقي هناك بإذن الله". إنها المرأة التي وقفت عند ركام بيتها لتقول: "سنسكن في خيمة ولا ننحني"، "هنا ولدنا، هنا نعيش وهنا نموت".
فمنذ أكثر من سنتين، كان الكيان الصهيوني الغاصب قد فرض حصاراً ظالماً على أهالي غزة، فضيّق عليهم العيش، فكان يقع على المرأة العبء الأكبر في تسيير أمور أسرتها وإطعام أطفالها بما تيسّر من القليل القليل.
ومع انعدام توافر الأشياء الأساسية التي تساعد في تسهيل الأمور، سعت المرأة إلى توفير البدائل بوسائل بدائية فعادت لتقتني فرن الطين، من أجل تأمين الرغيف للأبناء، لكنها لم تركع، ولم تضعف، بل بقيت خير سند للتمسك بقضية الأرض والوطن، بقضية الحق الذي يجب أن يصان، وإن بلحظات مجبولة بالصبر والعذاب.
كانت النسوة في غزة يتعاونّ على قضاء حوائجهنّ بما تيسّر لهن من أجل تعزيز الصمود، وبعد زمن من الحصار جاء هذا العدوان السافر ليحاول القضاء على تلك الأنفاس التي تجاهد لتبقى برغم خنقها وإغلاق السبل والمنافذ في وجهها، لكن المرأة في غزة لم تسقط، بل تحمّلت كل ظروف القهر والحرمان دون أن يفتّ ذلك من عزيمتها على الصمود، ولم يدفعها ذلك إلى دعوة أبنائها لرفع الراية البيضاء، فاستشرس العدو في بث الرعب والدمار في كل مكان، ومع ذلك فقد وقفت بكل عزة وكرامة وأغمضت عيون الشهداء بيديها، وودعتهم بسلام، ولمست جراح الأبناء بشغاف القلب، وضمدتها بدموع العين وصبر الإيمان وقوة العنفوان.
إن قصف المراكز الإنسانية والمؤسسات النسوية في القطاع التي كانت تنطلق منها النساء للمساعدة لم يحل دون أن تقوم تلك النسوة بدورهن الكامل أثناء العدوان، بل إن المساندة الاجتماعية باتت تؤدّى عبر النساء مباشرة دون اللجوء الى تلك المراكز التي لم تعد تتمكن من العمل، ولذا فإن نشاطات المؤسسات النسوية تركزت في المناطق السكنية والاحياء بشكل غير مركزي، فتقوم كل ناشطة نسوية بعملها في المنطقة التي تسكن فيها، وتبقى مطالبة بإسعاف الجرحى ومساعدة المحتاجين والعائلات الثكلى والتي تحتاج الى المواد الغذائية، هذا ما أشارت إليه المسؤولة عن هذه المراكز.
إحدى العجائز أعلنت بكل عزم وهي مريضة تصارع الموت "لن نتنازل برغم الحصار"، في حين تستمرّ النساء في الإنجاب من رحم المأساة، لتؤكد للعالم رغبة هذا الشعب بالحياة، برغم أنف سياسات الإبادة والإفناء.
لك تنحني الهامات يا أماً في غزّة الصابرة، وتنظر في عطاءاتك محققة، تتعلم دروس التربية والعطاء، التضحية والفداء، وبعد كل ذلك، تكونين خير سند في الجهاد.
لله درك يا أيتها المرأة الصامدة، من مثال.
ولا بدّ لهذا العدو الصهيوني الغاشم أن يفهم، وأن يتعلّم أن كل جنونه لم ولن يكسر شوكة المقاومين ولا صمود أهلهم، ولا عزيمة المرأة في هذا المجتمع المقاوم.
ربما تعلّقهم في الدنيا يجعلهم يعتقدون أن طبيعة الإنسان مجبولة على التعلّق فيها، ولم يفهموا أبداً أن هنالك نوعاً من البشر قد تعلّق بالآخرة، ونذر نفسه وعياله لله سبحان وتعالى، ومهما قتلوا أو دمروا فإن ذلك لا يرهب أهل المقاومة أبداً.
يزدادون إجراماً يوماً بعد يوم، يظنون أن هذا الوجع سيجعل المقاومة تستسلم، ولم يدروا أن وثيقة الصمود والعزيمة في المواجهة تكتب من هذا الوجع، وبدم هذا النجيع المستمر حيث تسطر البطولات، وتحفظ الكرامات، وتبنى الأوطان.
هنيئاً لك يا غزة بهذه المرأة الصامدة الصابرة، بتربيتها وأبنائها، بزوجها وأهلها، بمجتمعها الذي تساهم في بنائه بدموع القلب وقوة الإيمان.
ماجدة ريا

Saturday, January 17, 2009

أطفال غزة: الاستغاثة المفقودة

.. وتستمرّ الجريمة، والعدو الصهيوني الغاصب لم يشبع بعد من دماء الأطفال.
شلاّل الدم ما زال مفتوحاً في غزّة، والجرح النازف من الطفولة المقهورة لم يتوقّف، والعيون الصغيرة ما زالت تبحث عن ذرّة أمان، ولكن أنّى لها أن تجدها وقد استبدّ العدو واستشرس أمام المزيد من هوانه وضعفه وعجزه.
ها هو عدد الشهداء من الأطفال فقط يناهز الثلاثمئة وما زال العدّاد يشير إلى المزيد من الارتفاع في قتل الطفولة البريئة ظلماً وعدواناً.
ولعلّ الاستشهاد يهون عند حدود المعاناة الأخرى، لأن الشهداء ينتقلون إلى جنّات النعيم، وتبقى معاناة الجرحى، خاصة الأطفال منهم، أكبر معاناة.
هذه آثار قذائف الفسفور الأبيض تنتشر في كل مكان، تحرق كل بشر تصل إليه.. حروق بالغة من الدرجة الثانية والثالثة، وحروق يسقط اللحم معها، فأيّ فظاعة هذه؟! وأي تشوّهات وإعاقات ستترك لدى هؤلاء الأطفال الذين ينظرون إلى ما يجري عليهم بتسليم إلهي كبير؟! ولكن ماذا عن آلامهم الجسدية والنفسية؟
لقد شاهدنا ذلك الفتى الذي لفّ رأسه ووجهه وكل جسمه بالشاش بسبب تعرّضه للاحتراق، والفتى الآخر الذي بدت حروق وجهه واضحة للعيان، وغيرهما آخرون من الكبار والصغار ممن تعرّض لحروق بالغة.
ليس الفسفور الأبيض وحده، فإن "اسرائيل" استخدمت نوعا آخر من السلاح يؤدي إلى بتر الأطراف، ويصاب معه الأطفال بإعاقات كبيرة.. والطفلة جميلة هياش واحدة منهم.
كما استخدمت أسلحة تؤدي إلى تفجير العيون، بحيث تصبح العين غير قابلة للإصلاح أبداً، ولا حتى للتجميل، كما في حال الطفل لؤي صبح الذي نجا بأعجوبة بعد ان استشهدت عائلته، ما عدا والده الذي لم يكن في المنزل.
واستخدمت أسلحة تؤدي إلى نزف داخلي دون أن يتمكن الأطباء من معرفة سبب واضح له بسبب الأشعة غير المرئية التي تتعرّض لها الشرايين في الجسم، فتؤدّي إلى استشهاد المصاب بها.
لم يُعرف كم نوعا من الأسلحة المحرّمة والممنوعة دولياً استخدمتها "اسرائيل" غير عابئة لا برأي عام دولي ولا بمشاهد الأطفال والعزل المروّعة، بل ربما هي لم تترك سلاحاً محرماً أو سلاحاً فتاكاً إلاّ واستخدمه في عدوانها هذا، والضحايا معظمهم مدنيون ومن الأطفال والنساء.
لقد تجاوز عدد الجرحى 5000 جريح، ولم يتوقّف العدوان بعد، وما زالت "إسرائيل" مستمرّة في نشر الخراب والدمار والقتل والتشريد، وما زال أطفال غزّة يناشدون من لديه رحمة أن يرحمهم، وأن يستنقذهم العالم من مأساتهم، والصهاينة يصمّون آذانهم عن صراخ العالم، ولا يرون سوى ورطة لا يعرفون كيف يخرجون منها.. مع كل هذا الخزي والعار الذي يلازمهم.
مهما تحدّثنا عن تلك المعاناة الإنسانية فلن نفيها حقّها، ولن نستطيع أن نعبّر عن عمق تأثيرها في المشاعر الإنسانية عندما تكون هذه المشاعر موجهّة بالاتجاه الصحيح.. ربما نستطيع أن ننقل بعض الصور ونتحدّث عن بعضها، وكل ذلك لا يفي بالتعبير.
ماذا نقول ونحن ننظر إلى صورة فتى يحتضن أمه التي تفارق الحياة بين يديه، وهو عاجز عن فعل أي شيء؟
ماذا نقول عندما نرى طفلة هُدم المنزل عليها وعلى أخواتها وهن نيام، اُستشهدت أخواتها وكتب الله لها النجاة لتنظر بأسى لا يوصف إلى ما يجري حولها، وهي عالقة تحت الركام لم يظهر منها سوى رأسها وذراعيها، والمسعفون يحاولون رفع الركام عنها بأيديهم؟! وهي تنظر إليهم لا حول ولا قوة لها إلا بالله المستعان.
وماذا نقول عن تلك الطفلة التي رمى الصهاينة شقيقتيها بالرصاص وهي تنظر إليهما وسط تهديدها؟
وأي قلب يحتمل منظر الدماء وهي تسيل من الأطفال؟
فأي عالم هذا؟ وأي نوع من البشر هم هؤلاء المجرمون؟

في دراسة حول استخدام الأسلحة الملوثة بمواد اليورانيوم دفاعاً عن حقوق الإنسان، أظهرت أن نسبة الإصابات العقلية والنفسية عالية جداً، وهي لا تظهر إلا بعد زمن معين وغير بعيد.
ويقول أحد الاختصاصيين في الطب النفسي: إن أول ما يتأثر به الأطفال هو الشعور بعدم الأمان وعدم الثقة بما حولهم، وهذا بطبيعة الحال يؤثر في بناء شخصياتهم، فيتحول كل شيء من حولهم الى وحش مفترس. ويعزز هذا الأمر أن من يفعلون ذلك محسوبون على صنف البشر.
أما الباحث جون برنجل Jone Bringle فيؤكّد في خاتمة تقرير أعدّه حول أوضاع الأطفال في غزّة: "يبدو لي وللباحثين الاجتماعيين أن المجتمع الدولي أهمل الأطفال الفلسطينيين، وهذا نوع من النبذ، ويُنظر إليهم على أنهم لا يستحقون الحماية تحت مظلة معاهدة جنيف وقوانين حماية حقوق الإنسان المدني أثناء الاحتلال او الحروب.. ويجب أن نتذكر أنه حيثما تسقط قنابلنا وتصوب بنادقنا وتسقط صواريخنا فإن هناك أطفالاً يولدون، ويلعبون، ويذهبون إلى المدارس".
هذا شاهد من العديد من الشواهد التي تؤكّد أنّ ما يجري على الأطفال في غزة يعتبر جرماً في القضاء الطبي والنفسي يستوجب المساءلة القانونية.
هنالك حركة كبيرة حول العالم تسعى إلى محاكمة "اسرائيل" حول جرائمها الفظيعة محاكمة فعلية، فهل سيتمكّنون من ذلك؟
وهل ستتوقّف "إسرائيل" عن إجرامها بحق الشعوب، سيما الأطفال والأبرياء؟
هذه التحرّكات المتضامنة مع الحقوق الإنسانية هي جميلة ومطلوبة، لأنها ستزيد من الشواهد على همجية هذا العدو الذي لا يمتثل لا لحقوق إنسانية ولا لمساءلات قانونية، ومع ذلك فهي ستؤرّخ لجرائمه المروّعة بحق الطفولة، والمجتمع الإنساني الفلسطيني بشكل خاص الذي يتعرّض لكل ذلك، والمجتمع الإنساني الدولي بشكل عام، لأن ما فعلته "إسرائيل" في غزة أساء إلى مشاعر الملايين من البشر على مختلف أديانهم وانتماءاتهم.
وحتى اليوم لم نشهد أيّ معاقبة فعلية للكيان الصهيوني الغاصب، برغم أن تاريخه قائم على المجازر والإبادة الجماعية، وخرق كل الاتفاقيات الدولية والأعراف الإنسانية. فهذا الكيان الغاصب لا يرتدع إلا بلغة القوة، فهي اللغة التي يفهمها، ولذا ستبقى المواجهة والمقاومة لهذا العدو الشرس هي الخط التي نسير عليه، وهذا سيؤدي في نهاية المطاف إلى التحرر من هذه القوة الصهيونية الغاشمة، وإلى تحرير الأرض والمقدّسات.
ماجدة ريا

Saturday, January 10, 2009

أطفال غزة: أين حقوق الطفل منا؟!


الطفل والطفولة، قد يبدو أن هاتين الكلمتين هما صنوان، لأن الطفولة هي المرحلة التي تقترن بها حياة الطفل بما تحمل من براءة وجمال وحب للحياة، لتشكّل مفصلاً من مفاصل صياغة شخصية هذا الطفل من خلال ما يعيشه في تلك المرحلة بالذات.
يجمع علماء النفس والتربية على أن لمرحلة الطفولة التأثير الفاعل والأهم في صياغة شخصية الطفل المستقبلية. ومن هنا جاءت الدعوات الكثيرة والحملات لبث توعية كيفية معاملة هذا الطفل والتعاطي معه على أسس تربوية صحيحة، وجاءت الدعوات لتطالب بالمحافظة على حقوق الطفل، وأقرّت اتفاقية حقوق الطفل على مستوى دول العالم، وشاركت في صياغتها وتبنّيها الكثير من الدول.
وإذا ما نظرنا إلى معظم التحركات الفاعلة التي سعت لوضع هذه الاتفاقية سنجد أنها غربية، وأن الذي يرسل إلى دول العالم الثالث التي تحسب منها بلداننا العربية، من يراقبون ويحثّون على تنفيذ هذه الاتفاقية والعمل على تحقيق بنودها التي جاءت لمصلحة الطفل، سنجد انها ايضاً الدول الغربية التي تأتي في مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية التي نصّبت نفسها عبر السنوات الماضية شرطياً لهذا العالم بحكم تفرّدها في السيطرة على القرار الدولي.
حتى الآن قد يبدو أنه لا يوجد مشكلة، ولكن في الحقيقة أن هذا الأمر في حد ذاته هو المشكلة الكبرى، والمعضلة التي لا بدّ من مواجهتها كما هي.
فعندما تطالب الاتفاقية بتوفير حياة هادئة ومستقرّة للطفل، برعايته وتعليمه، كل ذلك جيد، ولكن أنّى يكون للدول النامية أن تفعل ذلك في ظل هيمنة أميركية على هذه الدول؟! ليس ذلك وحسب، بل ان الولايات المتحدة الاميركية هي الراعي الأول للإرهاب ضد الطفولة البريئة، فهي التي تدعم العدو الصهيوني الغاشم الذي اغتصب الأرض وعاث فساداً في فلسطين ولبنان.
أنّى للأطفال في فلسطين ولبنان أن ينعموا بحقوقهم كأطفال أبرياء، لا ذنب لهم بأي صراع، والآلة الصهيونية تعمل على إبادتهم، على قتلهم وجرحهم، وفي أضعف الأحوال على تشريدهم؟!
كيف لهؤلاء الأطفال أن يعيشوا الطفولة؟ وماذا يعرفون منها؟ ولعبتهم قنبلة ذكية تفتك بهم هدية مِمَّن تدّعي رعاية حقوق الطفل على مستوى العالم؟
يوماً بعد يوم نتأكّد أن هذه الاتفاقيات الدولية، وحتى القوانين الدولية، ما هي سوى أدوات تُستغل من قبل واضعيها لتحقيق غاياتهم ومصالحهم التي شاءت لنا الأقدار هنا في فلسطين ولبنان أن نكون ضحيّتها.
وبعد كل ذلك يحقّ لنا أن نضع قوانيننا التي ترعى أبناءنا، والتي تحميهم من هذه الشرور.
فلا تظن "اسرائيل" أن ما تفعله بأطفالنا سيجعل منا عالماً عاجزاً! أبداً.
ربما يُقال تربوياً انه يجب أن لا يرى الأطفال مشاهد القتل والدمار التي تحدثها آلة الحرب الصهيونية، فإن مشهد طفل مشظّى بدمائه يوجع قلوب الكبار ويصعب عليهم تحمّله، فكيف بالصغار؟!
ولكن نقول، يجب أن يرى أطفالنا كل شيء، يجب أن يروا ماذا تحضّر لهم مدنية العالم وتحضّره ليستعدّوا وليفكروا كيف يمكن أن يحموا أنفسهم.. يجب أن يروا ذلك، وأن يعرفوا في جوار من هم يقطنون، في جوار مصّاصي الدماء الذين لا يرحمون طفلا ولا امرأة ولا شيخاً..
أطفالنا تُسلب منهم طفولتهم عنوة، وتتحوّل إلى رجولة مبكّرة، لأن الصغير فيهم يتمنى أن يذهب لقتال هذا العدو الشرس، وأن يتحول إلى قنبلة تتفجّر في وجهه. حتى النساء يتمنين ذلك، فما نراه ويراه الأطفال لا يُحتمل، ولا يحتمل أن ننتظر منظمات حقوق الإنسان والمدافعين عن حقوق الطفل وهم عاجزون عن فعل أي شيء.
ها قد مضت أيام طويلة على بدء العدوان على غزة، ويومياً يُقتل الأطفال والنساء، ولا أحد استطاع أن يحميهم، أو أن يمنع عنهم القتل والجرح والتشرّد.. وقبلها بقي أطفال لبنان في تموز 2006 ثلاثة وثلاثين يوماً يُقتلون ويذبحون ويجرحون ويشرّدون، يعيشون في الحدائق العامة والطرق والمدارس، ولم تنفعهم تلك المنظمات بشيء، ولا حماهم أي قانون.. ما حماهم فقط هو صمودهم ومقاومتهم الشريفة. وهذا فقط ما سيحمي أطفال غزة، وأطفال كل فلسطين. نحن نكتب قواميسنا بيدنا، وبيدنا نبلسم جراحنا، بقوة الصمود والتحدي، بطفل شهيد يتحول إلى طير من طيور الجنة، وتبقى دماؤه في قلب الأرض لتتحوّل إلى بركان يقذف حمماً تكوي الأعداء وتعدهم بالويل والثبور، لأن الدم المظلوم لا يمكن أن يذهب هدراً، وهو إن سقط فإنه يسقط بيد الله، والله هو الذي يجزيه ويجعل لأوليائه سلطاناً ينتصرون به، فكيف إذا كان هذا الدم المظلوم لطفل لا حول له ولا قوة؟ لا بدّ أنه سينتصر في نهاية المطاف، حتى في الشهادة هو منتصر، لتبقى العزة والشرف والكبرياء لأهلنا الصامدين بأطفالهم، بأبنائهم، بشيوخهم، برجالهم وأبطالهم.
فيا أطفال فلسطين، يا من تسطّرون بدمائكم الزكيّة نواميس جديدة للعالم، يا من تخطّون بدمائكم كتاب الحرية والعزة والكرامة، نقول لكم ما قاله إمامنا الخميني العظيم قدس الله سرّه: "الحياة في موتكم قاهرين"، والعزة والنصر لكم بإذن الله تعالى.
ماجدة ريا

Monday, January 05, 2009

شهر محرّم وبداية العام الجديد

تدور عقارب الزّمان وتطحن رحاها الأيّام، فتتقارب الساعات وتجتمع بين المناسبات
ولكل مناسبة لون وعنوان، قد تبدو غير متشابهة أبداً إلى حد التضاد والتنافر، لكن الزّمن يجمعها بعد أعوام طويلة في وقت واحد، ليكون لها في قلوب الوالهين الصادقين لون واحد، هو لون الدم المنتصر على السيف، ولون حداد يوقظنا من السبات، وينقلنا إلى أجواء المحرّم المجبولة بالعطاء والفداء، والمرصّعة بأفضل العبر وأروع الدروس.
من هناك، من أرض الطفّ البعيدة، استصرخنا النداء ليخترق مئات الأعوام ويصل إلى آذاننا حياً، ويرتفع.. فتقترب المسافات وتهفو القلوب لعشق الشهادة ونهج الحسين عليه السلام.
نودّع عاماً من أعمارنا، لتُولد فيه براعم عام جديد، وكل منا يرمقها بوجل واستطلاع عمّا تحمل لنا أيامه القادمة من صلب الزمان.
ولطالما حرص الناس على توديع العام السابق بابتسامة، وتداعوا إلى استقبال العام الجديد بفرحة كبيرة، وكأنّهم يستطيعون توزيع هذه الفرحة على بقية أيّام العام.
لكن ربما كان من الأجدى مفارقة عام من عمرنا بوقفة تأمّل في ما أمضينا هذا العام، وفي ما أنفقنا أيام عمرنا التي تسير بنا مسرعة لانقضائه. وربما من الأجدى أن يكون لنا في مثل هذه الليلة "جردة حساب" لأعمالنا.
أما عن إطلالة العام الجديد، فهي بالتأكيد ليست ككل عام، لأنها تعانق بداية السنة الهجرية، وتتجلّى أمامنا هيبة شهر محرّم الحرام، فيقف منتصباً من بين الشهور متجلبباً براياته السوداء، معتصماً بنداء الحسين: "هل من ناصر ينصرنا"؟!
ها هو العام الجديد يُقبل علينا، وعلى أبوابه حفر جرح الزمان الذي لا يبرد أبداً، جرح الزمان الذي تحيا به آلامنا في كل عام، فندخل فيه خاشعين بقلوب أدماها عشق الحسين عليه السلام، وأحرقها حنين الشوق لنصرته، وقد تمادى الظلم والطغيان، واستبدّ العدو وبطش.. ويرتفع النداء ويعلو: يا أنصار الحسين هلمّوا لنصرة الحق، لنصرة المظلوم على الظالم.. فيخرّ القلب خاشعاً، ويفور حب الحسين عليه السلام في القلب دامعاً، وتضجّ المشاعر بالحنين إلى كربلاء.. فهلمّوا أحبّائي لنلبّي النداء، هلمّوا بنا إلى ملابسنا السوداء، وإلى راياتنا نرفعها عالياً، تلك الرايات التي طالما صفعت الأعداء ولقّنتهم ما معنى انتصار الدم على السيف.. إنّها رايات الحق في وجه الباطل، التي ما زلنا نرفعها بثبات أكبر، وعزيمة لا تلين.
ها هي بوابة العام الجديد تتجلبب بنداءات عاشوراء، ومن هذه البوابة تنطلق صرخة الثورة على الظلم والطغيان، وثبات شعار "هيهات منّا الذلة" الذي أطلقه الإمام الحسين عليه السلام في ثورته، فيتمدّد صداها لباقي أيام السنة وتكون الدافع لقطار العام بأكمله.
إنّها البداية مع الدمعة المجبولة بحزن الزمان المتجدّد مع رواية كل مظلوم، ومع مواجهة كل إجرام.
إنّها الدمعة التي تروي عطش القلوب فتغسلها من صدأ الدنيا، وتُنبت فيها حبّ الشهادة والعطاء، لأنها تكشف لها عن مراتب الشهداء.
إنّها الدمعة التي تسيل خاشعة من دون استئذان لتمدّنا بالقوة والعزيمة، وتكشف لنا عن منبت الحرّية وعن معنى الإرادة.
إنّها الدمعة التي تصوغ كيان الإنسان فينا، فتربينا على العزة والشرف والإباء.
إنها أيام السيرة التي ترسم لنا خط المسير، فالإمام الخميني قدس سره الشريف يقول: "كل ما عندنا من عاشوراء".
فها نحن نعيش أيامها المباركة صغاراً وكباراً، رجالاً وأطفالاً ونساءً،
نخطو فيها بثبات المقاومين المنتصرين بقبضات مرفوعة نحو عنان السماء: لبّيك يا حسين، يا مظلوم كربلاء.
لبّيك يا صرخة المظلوم على الظالم، لبّيك يا غزّة الإباء.
فمظلوميتك هي الملح الذي وضع على الجرح ليفور.. هكذا أراد العدو الصهيوني المجرم المتوحش أن نبدأ العام، لكنه لم ينتبه الى نبضات شهر محرّم الحرام، ولم يدرِِ أننا في أيّام هي ثورة بحد ذاتها، تحلّق فيها أرواحنا مع الإمام الحسين عليه السلام، وأننا في قلب أيام الشهادة.
فلبّيك يا صرخة الحسين، ولبيك يا غزة المقاومة والشرف والإباء.
الانتقاد/ العدد 1327 ـ 2 كانون الثاني/ يناير 2009
ماجدة ريا

هل من سبيل لتحرر الشعوب؟

منذ أيام، منذ أن بدأ العدوان على غزة بالتحديد، والناس يتدافعون بكل تلقائية إلى الشوارع، والحناجر لم تخبُ، والشعوب غاضبة، والقهر قائم، قهر لقلوب الملايين من البشر الذين انتشروا على مدى العالم برحابته، لم يملوا، لكنّهم يزدادون احتراقاً وتلهّفاً مع ارتفاع وتيرة العدوان، الذي استنفد ما لديه من اليوم الأول من خلال غدره بضربة موجعة، ولم يستطع دفع المقاومة إلى الإستسلام، بل استوعبت الضربة، وخرجت بتماسك أقوى، وما زالت صامدة رغم مرور أيام على وحشية بربرية، وهمجية لا تمت إلى عالم البشر بصلة، وهذا ما دفع ويدفع العدو إلى عمليات انتقامية، من اي شيء، يضرب كوحش ثائر بغير هدى، ولذلك فهو لن يحقّق اي شيء سوى المزيد من تسويد صورته السوداء القاتمة، وهو لن يزيد المقاومة وأهلها إلا قوة وثبات، وكرهاً لهذا العدو الغاشم، ورغبة في مزيد من المواجهة.
هذا شعب يتحمّل القتل والتدمير والحصار، ويرفع رأسه عالياً بشموخ العزة لأنه يستحقّها، هذا شعب قال كلمته، ولن يتراجع عنها..
هذا شعب المقاومة.
ولكن، هذا شعب يقاوم المحتل الذي اغتصب أرضه، وماذا عن الشعوب الأخرى؟
كثيراً ما نسمع عن الشعب العربي الذي لا يرضيه كل ما يجري، ومع ذلك فهو مقيد، مظلوم، أما آن للمظلوم أن يثور على ظالمه؟
أما آن لهذه الشعوب أن تنهض من كبوتها؟
يُقال هي مغلوبة على أمرها؟؟؟؟؟؟؟
وأقول ما قال الشاعر: إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر!
كل شعب يمكنه أن يتحرّر إذا أراد، ولكن هل هنالك حرّية من غير ثمن؟؟؟
هل هذا ما تنتظره الشعوب العربية؟؟
عندما يعظم المطلوب، على الطالب أن يدفع الثّمن على قدر تلك العظمة، فما بالك والمطلوب هو الحرّية؟
ما الفرق في أن نتحرّر من محتل ظالم يحتل الأرض والمقدرات؟
وبين أن نتحرّر من حاكم جائر يحتلّ منصب الدولة والوزارات؟ ويضع بيده كل المقدّرات؟ ويصادر حقوق الناس لا بل يصادر حقوق الوطن؟
مثل هؤلاء الحكام لا بد من مواجهتهم مهما كان الثمن، حتى وإن كان الثمن بذل الدماء وليس فقط السجن والترهيب والتعذيب.
هل حدوث مثل هذه الأمور تجعل الناس تعزف عن المطالبة بحقوقها؟
يخافون السجن والتنكيل من قبل الحاكم، هل هذا يسقط المسؤولية عنهم؟
لا، ابداً.. إنهم مسؤولون..
عندما تهتك حرمة بلد عربي مسلم، فتحتل أرضه، ويُعتدى عليه بمثل ما يحدث في غزة، ولا يكون هنالك أي تحرّك فاعل، هل تسقط المسؤوليات؟
لا.. الجميع مسؤول، وكل بحسب طاقته، ولكن عندما يبقى الحكام الجائرون في مناصبهم، ليبيعوا حرمة الأوطان ويسوّدوا سمعتها، فعلى الشعوب أن لا تصمت، وأن تواجه حكامها بصدورها العارية كما يواجه الفلسطنيون واللبنانيون الاحتلال بلحمهم ودمهم وكل ما يملكون.
إن الحاكم الفاسد الذي يرضى على مثل ما يجري وهو مسلم، ولا يحرك ساكناً، هو أسوأ بكثير من المحتل الذي يعيث قتلاً وتدميراً.. ويستحقّ أن يواجه، وليفعل ما يشاء.
هنالك أمثلة حيّة من التاريخ القديم والحديث، وأن ثورة الشعب يمكن أن تسقط الحاكم الجائر، فمتى يمكن أن تثور هذه الشعوب؟
وإلى متى سترتضي العيش بذل وهوان، وإلى متى الخوف من الموت الذي هو بيد الله وليس بيد الحاكم؟
يمكن أن يقتل وأن يسجن، ولكنه لن يقتل شعباُ بأكمله، أو أن يسجن شعباً بأكمله، ولكن على الشعب أن يرتضي أولا أن يقدّم مثل هذه التضحيات كي يحيا حراً عزيزاً، شريفاً، كريماً.
يمكن للشعوب أن تغيّر المعادلة، ولا يمكن التذرّع أبداً بأنها مغلوبة على أمرها، تستطيع أن تفعل الكثير لو أرادت ولكن عليها أولاً ان تمتلك روح المقاومة الحقيقة، وهي لن تختلف كثيراً، أنقاوم محتلاً أو سلطاناً جائراً، فأفضل الجهاد كلمة حق في وجه سلطان جائر، ولا بدّ من المقاومة من أجل إحقاق الحق، والعمل على إيجاد أنظمة تعيد للعرب أمجادهم وعزتهم المفقودة ، لأنه إذا بقي الحال على ما هو عليه من تداع، وخفة واستهزاء بالدم العربي المظلوم، والدم المسلم المهدور ظلماً وعدواناً، فإن هذه الدماء ستحاسب من هي محسوبة عليهم، وسيعيشون في ظل هوانها مدى السنين.
قومي أيتها الشعوب، ثوري في وجه الطغاة، واعملي فالله سيرى أعمالنا يوم الحساب.
ماجدة ريا

Saturday, January 03, 2009

النصر لغزة هاشم الأبية

أيهما أصعب؟ أن يتحرّر المرء من محتل يحتل أرضه ووطنه؟ أم من سلطان جائر لا يرحمه؟
في مقارنة بسيطة بين هذين النوعين ممن يمتلكون السلطة على نحو غاشم، بكل ما تحوي كلمة سلطة من تسلط وتجبّر وتحكّم في رقاب العباد، سنجد الكثير مما يشترك به هذان النوعان من الحكّام، ولعل الفارق الأبرز هنا هو أن السلطان الجائر لا نطلق عليه صفة سلطان، وإن كان هو في الحقيقة يحتل مركزه احتلالاً رغم أنف الشعوب، فيقمع الرأي الحر، ويفسد، ويتاجر بحقوق الناس وكراماتهم، بل يتاجر بما هو أكبر من ذلك بكثير إذ هو يتاجر بحقوق الوطن الذي ينتمي إليه ويسيطر عليه ببأس وبطش، ويغامر بكل شيء غير آبه برأي الناس أو موقفهم منه أو من حكمه.
نعرف أن المحتل الذي يحتل بلداً ما يسيطر على مقدّراته، ويحوّل أهل ذلك البلد إلى رهائن لديه، ويفعل كل ما يحلو له من أجل أرضاء سطوته ونزوته في السيطرة على ذلك البلد، وكل ما يأتي من ذلك الحاكم المحتل لن يبدو مستغرباً، بل هو يأتي في السياق الطبيعي لأمر غير طبيعي وغير مشروع الذي هو الإحتلال.
فالإحتلال لم ولن يكون في يوم من الأيام مشروعاً وفق أي عرف أو أي قانون أو أي دين، ومع ذلك فإن نظرة بسيطة إلى السنوات الستين لاحتلال أرض فلسطين كافية لأن تشرح لنا الكثير من الأمور، والتي أثبتت وما زالت تثبت أن الكثير من دول العالم أعطت المشروعية لشتات اليهود في احتلالهم لأرض فلسطين على حساب شعب بأكمله.
وتلك الدول منها من أعلن عن ذلك صراحة، ومنها من أعلن عن ذلك سراً، ومنها من لم يعلن ولكنه لا حول له ولا قوة، ومنها من أعلن اعتراضه على ذلك وبقي متمسكاً بحقوق مقاومة هذا العدو المتغطرس والمدعوم عالمياً، لكنها دول قليلة لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، وهي مصنفةً من قبل الولايات المتحدة الأمريكية بمحور الشر وهو يضم حركات المقاومة المناوئة لإسرائيل بكل فصائلها وألوانها وأطيافها الذي تسعى إلى إبادته.
وهكذا مع دعم عالمي يزداد يوماً بعد يوم للكيان الصهيوني الغاصب، يزداد بطشه وتجبّره وتجرّؤه، والحروب العدوانية التي يشنّها هذا الكيان الغاصب في السنوات الأخيرة، خاصة عدوانه على مقاومة لبنان في تموز 2006، وعدوانه الذي بدأه منذ أيام على غزة، حيث أن ما قام به هذا العدو وما يقوم به من اجرام وقتل وتدمير هو غير مسبوق ! شهداء بالمئات جلّهم من النساء والأطفال، وجرحى بالآلاف.. في هذين العدوانين وفي ظل تغطية دولية واضحة، حتى من أقرب المقرّبين والأشقّاء.
والمطلوب اخضاع حركات المقاومة لشروط لإحتلال؟ فهل يمكن ان تسمى مقاومة اذا ما خضعت؟
قاوم الشيء يعني رفضه وعمل على تغييره، والمقاومة هي رفض للإحتلال ، وهي قائمة من اجل ازاحة الإحتلال، فإذا بها تحاصر وتضرب بهذا العنف كي تستسلم لشروط الإحتلال!
كل الدول تغض نظرها عمّا يرتكب من جرائم فظيعة لا يحتملها قلب بشر، ومع ذلك تتلقّاها المقاومة وأهلها الشرفاء الصامدين بكل صبر واحتساب عند الله والله لا يضيع أجر المحسنين، فكيف بالذين يقدّمون أنفسهم وأهليهم على مذبح الحرية والفداء والكرامة؟ ولا ناصر لهم أو معين سوى الله، وتحركات شعبية بّحت منذ أيام ولا من مجيب، فلا حاكم يسمع، ولا ظالم يرتدع! وهو لا يتجرأ إلا على الأطفال والمدنيين العزّل.
ومع ذلك نقول لهم، إن المقاومة هي روح وقلب وفكر، المقاومة لا يمكن أن تكون كما يريدون، لا لشيء إلاّ لأنها مقاومة! ولأن المقاومة هي علّة الوجود فيها.
فليسمع كل الذين صمّوا آذانهم، وكل المتآمرين والمتخاذلين، المقاومة باقية باقية وما تفعلونه لا يزيدها سوى ثباتاً وصموداً وقوةً، بل يعطيها أدلّة زائدة على ضرورة ما تفعل، وتتيقّن بأن هذا العدو المجرم لا بدّ من مواجهته ، وعدم الرّكون إليه ولو قيد أنملة.
هذا العدو الغاشم، يعطي الأدلة يوماً بعد يوم ويوثّقها للتاريخ عن مدى اجرامه وحقده، ولكنه ربما لم يعلم بعد أنه الآن يحارب مقاومة من نوع مختلف، وهي مستعدّة للمواجهة حتى الرمق الأخير من هذه المواجهة، وفي بالها نيل إحدى الحسنيين إما نصر وإما شهادة، والشهادة هي سبيل النصر، فدماء الشهداء من المدنيين الأبرياء، أو من المقاومين الشرفاء، لن تجلب سوى النصر المحتم، هكذا يُعلّمنا التاريخ، وإذا كان هؤلاء القوم ومن معهم لا يعلمون ذلك فلأن الله ختم على قلوبهم، فباتوا صماً، عمياً، بكماً لا يفقهون، ولكن بالتأكيد وبعون الله تعالى سيرون.
إن الدماء الزكيّة لن تورّث سوى النصر والعزة والكرامة، فطبتم يا أهلنا الأعزاء في غزة، وهنيئاً لكم ما بلغتم وكان الله في عونكم، ونصركم على أعدائكم نصراً مبيناً.
ماجدة ريا

Thursday, January 01, 2009

سلام عليك يا غزة


سلام مضمّخ بوجع الأنين
سلام لصبرك عبر السنين
سلام على الشهداء
سلام على الأطفال والنساء
سلام على كل المجاهدين

سلام إليك في العام الجديد
كيف استقبلته يا حبيبة؟
باللون الأحمر القاني؟
خبّريني...
ما حال الأطفال يا غزّة؟
خبّريني عن النساء والعجزة..
خبريني عن تلك التي استشهد أبناؤها
فرفعت وجهها نحو السماء
وقالت هم لله فداء
هم قربان الأرض والوطن

خبريني عن أبطالك الشجعان
كيف يخترقون خطوط النار
فيرمون صواريخهم على الأعداء
لتؤرّق هؤلاء الجبناء
الذين لا يجرؤون على مواجهة الرجال
فلا يقاتلون إلا من وراء جدر..
فينفثون حقدهم الأعمى في كل مكان
يعرفون أن طائرات الشر مهما عربدت
ومهما سقتهم من دماء الأطفال والنساء
ومهما بالغت في وحشيتها
فإنهم والله لا يستطيعون تثبيط العزيمة
مهما بلغت منهم الجريمة
لقد وعد الله المؤمنين بالنصر
والله لا يخلف الميعاد

فصبراً يا أهل غزة
صبراً على جور الزمان
على همجية العدوان
وعلى حصار الأخوان
صبراً يا حبيبة

فمشهد أطفالك سيحاكم التاريخ
وصرخة نساؤك ستجلد المتخاذلين
وستحقّ الحقيقة ولو بعد حين
فلا النار تستطيع أكل الحقيقة
ولا الحصار... ولا الدمار...
الحقيقة ستشرق من جبين المقاومين
وستصفع الغاصبين المحتلين
مهما جاروا
مهما اعتدوا
لن يقهروا الإرادة
ولن يقابلوا بالإنحناء
فالمقاومة بأسها لا يلين
وهي باقية باقية
حتى استعادة كامل الأرض
ودحر الصهاينة العتاة الغاصبين.
ماجدة ريا

Tuesday, November 18, 2008

الحجاب بين الماضي والحاضر


عندما جبت بنظري في تلك القاعة، بدا واضحاً أن السمة الغالبة هي الحجاب، برغم كونها قاعة عامة، والحجاب فيها ليس واجباً. وعندما اتجهت نحو الشارع رأيت بشكل واضح نسبة ازدياد الحجاب، حتى داخل القرى بات للحجاب وجود فاعل ونكهة مختلفة.
أعود بالذاكرة إلى الثمانينات، في تلك الأيام، كان الحجاب يعيش غربة مريعة، وربما وجوده اقتصر على التقليد الأجوف إلا ما رحم ربي، فكان مجرّد غطاء للرأس درجت الجدّات والأمّهات على لباسه، ولم يكن له قواعد ثابتة، وما يهم هو وضع غطاء على الرأس.
في تلك الحقبة كان للكثير من الأحزاب والتيارات العلمانية أو المناهضة للدين سطوتها، وكان هنالك الكثير من الأفكار المغلوطة التي تُدسّ في المجتمع، وتجعل معالمه أقرب إلى معالم المجتمعات الغربية في بعض أفكاره، ولم تكن بعد نهضة الدين الثورية قد ظهرت بشكلها الجلي.
كان الحجاب غريباً، وعندما بدأت تجلّيات ثورة الإمام الخميني العظيم "قده"، وبدأ الالتزام بالحجاب الصحيح يظهر، كان يلاقي محاربة شديدة من قبل هؤلاء الذين كانوا يشكلون السواد الأعظم من الناس، إلا أن ظاهرة الحجاب المبني على أسس فقهية ودينية سليمة بقيت تتنامى برغم كل الحواجز التي كانت تواجهها، والتي لم تكن سهلة أبداً.
تلك الثورة المباركة التي رسمت للحجاب تفاصيله ومعناه، كانت ترسم مع ذلك صياغة الشخصية السليمة، ويأتي الحجاب كتفصيل من تفاصيل شخصية متكاملة الفهم والمعرفة لحدود وأبعاد هذه الثورة، سواء من الأخت التي أحبّت الالتزام بهذا النهج ومن ضمنه الحجاب، أو الأخ الذي سيكون راعياً لهذه المرأة التي تحتاج إلى مساندة ودعم وسط كل تلك التيارات المتلاطمة التي تهاجم حجابها الملتزم.
نعم في ذلك الوقت، كانت الدعوات إلى السفور والتبرج أسهل في النفاذ إلى المجتمع الذي كنا نعيش فيه، وكان الحجاب الملتزم يحارب كل هؤلاء من أجل إعادة بناء الإنسان، ومن أجل استعادة الهوية الإسلامية الصحيحة التي كادت معالمها تندرس، في مجتمع تتعدد فيه الثقافات، وتتلوّن فيه العادات، ولا بدّ لفكر ما أن ينتصر في فرض نفسه.
مذ وُجدت الثورة، التي أشعلت في الرؤوس مصابيح الإيمان الصحيح، كان خط الالتزام بالحجاب يسير بمنحى تصاعدي، وعدد المحجّبات الملتزمات يزداد يوماً بعد يوم بحمد الله تعالى ورعايته، وبفضل الفكر الذي كان يأتي دائماً بالحجة المناسبة للمكان المناسب، والذي ربّى من التزم به على قوة الإيمان بالله التي لا يمكن أن تُهزم، والتي كانت تُكسب صاحبها إرادة لا تقهرها الصعوبات، ولا يثنيها عن تقدّمها وتفاعلها في المجتمع أية مواجهة، فما كان لله ينمو.
لطالما لفت نظري في حينها عبارة كانت تُخط في كل مكان، يكتبها الشباب الملتزم "أختي حجابك أفضل من دمي" ليكون مسار الحجاب متصلاً بمسار المقاومة بشكل لا ينفصل عنه، وليكون متلاحماً مع هؤلاء الشبّان الذين نذروا أنفسهم لله، ومضوا في طريق الشهادة من أجل تحرير الوطن.
فقد كانت الثورة واحدة، والفكر واحداً، ليتكامل المرأة والرجل، الشاب والفتاة في هذه المسيرة التحرّرية الطويلة، فكان الحجاب ـ بما يعنيه من التزام المرأة الواعي وفهمها العميق لدوره ـ سنداً للمقاوم، وكان المقاوم ـ بما يعنيه من رفعة في الأخلاق وسمو في التضحية ـ سنداً للحجاب.
سارا جنباً إلى جنب، فكانا كالشجرة المباركة التي تؤتي أُكلها في كل حين، وكانت مسيرة مباركة من الله سبحانه وتعالى، أثمرت الانتصارات.
وبات الحجاب اليوم رمزاً للعزة والكرامة التي ارتبطت بإنجازات المقاومة، لأن هذا الحجاب كان له الدور الفاعل فيها، ولأن هذا الحجاب يُمثّل أم المجاهد، أو أخته، أو زوجته أو ابنته، التي تشاركه في درب النضال.
اليوم، ثبت للقاصي والداني صوابية هذا النهج، لكن الأجمل من ذلك هو أن هذا النهج بات نهج مجتمع، وباتت كل الأفكار والتوجهات الأخرى غريبة.
فالنهج الفكري الملتزم، بات له حضوره في مجتمعنا، حضوراً فاعلاً مؤثراً، جاذباً، لأن المجتمع تثبّت من صوابيته، فاتخذه نهجاً، ومن بقي غير ملتحق بهذا الركب من أبناء مجتمعنا فإنه ما عاد يحاربه، وإنما سعى جاهداً باتجاهه إلا من طبع الله على قلبه، فكان من هؤلاء الذين قال فيهم القرآن الكريم هم صم بكم عمي لا يفقهون، وهم قلّة قليلة.
حجاب اليوم بات أمتن بكثير من حجاب الماضي، وأفعل، بات يحرس الأمة وانتصاراتها لأنه هو الذي يُربّي ويُنتج ويؤهّل المجتمع المقاوم.
هذا لا يعني أبداً أن الحجاب لم يعد هنالك ما يتهدّده، على العكس، فهو ما زال مع المقاومة في خندق واحد لمواجهة التحدّيات الجسام في المحافظة على مسار المقاومة ونهجها القويم، لكنها تحدّيات زادت المحجّبات إصراراً على حجابهن، والتفافاً حول مقاومتهن.
فنرى المرأة المحجبة حاضرة بكل قوة، لترفع رأسها بحجابها أمام كل ما يتعرّض له هذا المجتمع من تهويل، ومن محاولة لحرف المسار.
ونرى المرأة المحجبة هي لب المجتمع الذي صمد وضحى وشجع وفدى خلال عدوان تموز الذي شنه العدو الصهيوني على لبنان عامة وعلى مجتمع المقاومة خاصة، وما رضخت فكانت أخت الرجال في الشدائد.
ونرى المرأة المحجبة هي الأم التي قدّمت أولادها شهداء، بوجه باسم، وجبين وضّاء، ينير لنساء العالم دربهن لتكون لهن مثلاً جديراً بالاقتداء.
في أيّامنا هذه السفور بات هو الغريب، والحجاب هو السمة الظاهرة، لكنه ليس حجاباً بصورة واحدة، بل تعدّدت أشكاله وصوره، فهل هذه الأشكال والصور تشكّل وجهاً واحداً لهذا المجتمع؟ أم تشكّل وجهاً جديداً للمواجهة مع هذا المجتمع؟
وماذا يمكن أن يكون نوع هذه المواجهة؟
هذا ما سنتحدّث عنه وعن تعدّدية أنواع الحجاب في الموضوع القادم ان شاء الله تعالى.
ماجدة ريا

Thursday, November 13, 2008

هل نضرب الصغير؟


يقول البعض إذا كان ضرب البالغين خطأ فإن الأَولى أن يكون ضرب الصغار أكثر خطأ، لأنهم غير قادرين على حماية أنفسهم، إضافة إلى أن الضرب يجعلهم ينظرون نظرة تشاؤمية وغير واثقة للأمور.
على قسمات وجهه البريء ارتسمت علامات التحدي، يرمق العالم من حوله بنظرات هي خليط من القلق الممزوج باستطلاع ردّ فعل الأشخاص، وهل أحدهم سيرفع يده ليضربه؟ فهو يتعرّض للضرب من قبل أقرب المقربين له، وأحبهم على قلبه، وهم أمه أو ربما أبوه.
برغم شدّة صغر سنّه، فهو يُضرب على يده أو على قفاه أو يُسقط عليه أي من تلك الحركات التي تعتبر ضربات تأديبية، بينما هو يتلقّى كل ذلك بعجز تام، فإمّا يخضع خوفاً أو يتمرّد، ومن ثم لا يجد أمامه سوى خضوع قسري لا يُكسبه قناعة، وربما في أغلب الأحيان لا يستوعب لماذا ضُرب بهذه القسوة.
وفي كثير من الأحيان يتعامل الأهل مع الطفل على أنه ممنوع عليه الخطأ، وإن أخطأ يعاقب كي يكون كما يريد له الكبار أن يكون، فلا يعود طفلاً يسير في طريق الطفولة التي تحتاج إلى رحابة صدر وطول بال في تقويم سلوكها وتربيتها، وتفكيك الأمور السلوكية المعقّدة دونما اللجوء إلى الضرب كأداة للتربية.
والمقصود بالضرب هنا هو الضرب المعقول وليس الضرب العنيف الذي يُقصد به إيذاء الطفل. ومثل هذا الأمر موجود في المجتمع، وهو يُعبّر عن معاملة سيّئة يُعامل بها الأطفال من قبل ذويهم الذين يكونون عادة سيّئي الطباع.
أمّا ما نتحدّث عنه الآن فهو الضرب الذي يُعتبر مقبولاً من شريحة كبيرة من الناس الذين يظنون أن تربية الطفل لا تكون إلا من خلال ضربه عندما يُخطىء، كي لا يتجرّأ على ارتكاب مثل هذا الخطأ مرة ثانية، ظناً منهم أن خوفه من تأنيبه بالضرب سيجعله كما يريدون. ولكن هل فعلاً يحدث ذلك؟ وهل ضرب الطفل يعصمه عن تكرار الخطأ؟
ومن هنا يطرح السؤال المهم الذي هو: "هل ضرب الطفل من أجل تربيته يعتبر أمراً صائباً؟ وهل يوفّر للأهل النتيجة المرجوة"؟ خاصة الطفل الذي هو دون سبع سنوات.
يرى التربويون أن ضرب الطفل غير ذي جدوى، بل على العكس من ذلك هو يؤدي إلى آثار نفسية سيئة لدى الطفل قد لا تُمحى بسهولة، وهو يشعر بعجزه أمام يد كبيرة تصفعه أو تضربه، وتترك بصماتها على كل حياته المستقبلية. لذا يرفضون مبدأ الضرب رفضاً قاطعاً، ويضعون عدداً من الأساليب التي يمكن أن تكون أكثر نفعاً وتأثيراً في تأديبه وتربيته.
وقبل كل أولئك التربويين، كان المعلم الأول والخبير الأكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قد حسم هذا الأمر بالنسبة الى من هم دون السابعة من العمر، ولأي سبب من الأسباب.. إذ يقول في الحديث الشريف: "اتركوه سبعاً وأدّبوه سبعا..". وهذا يعني أن الولد الذي هو دون السابعة يجب أن لا يحاسب، ولعل الحساب هنا يعني المعاقبة، أي يجب أن لا يعاقب، بمعنى أنه يجب أن لا يقوم أحد بإيذائه أو بضربه، وهذا لا يعني أن لا نشرح له الصواب من الخطأ، لأنه في عمر غير مدرك للأمور، ويتشكل إدراكه للأمور من خلال ما ينشأ عليه.
في البلدان الغربية هنالك قوانين صارمة بحق كل من يعتدي على الطفل بضربه في المدارس، والبعض من هذه البلدان يفرض قوانين صارمة حتى على الآباء والأمهات في تربية أبنائهم ومنعهم من ضربهم داخل بيوتهم.
وهناك دراسة أجرتها جمعية حماية الأطفال من القسوة، تقول إن هناك حاجة لقانون واضح لحماية الأطفال حتى في المنزل. ومثل هذا القانون غير موجود في بريطانيا، إذ يطبق فقط في المدارس، وتعمل الجمعية من أجل إيجاد مثل هذا القانون.
برغم ذلك نجد بعض الأشخاص الذين لا يعارضون التأديب الجسدي ويعتبرون أن وطأته قد تكون أخف على الطفل من الأساليب الأخرى التي قد تؤذي نفسيته أيضاً. ومن هؤلاء نورمان ولز، من جمعية العائلة والشباب في بريطانيا.
ومثل هؤلاء الأشخاص ما زالوا موجودين بكثرة في مجتمعاتنا، ومنهم من لا ينظر أصلاً في الوسائل الأخرى، لأنهم مقتنعون أن تربية الطفل يجب أن ترتكز على تأديبه بالضرب إن أخطأ، وأنه يجب أن يكون للأهل سطوة ومهابة يخشاهما الطفل، معتبرين أن الضرب هو الذي يؤمن لهما ذلك، برغم أن هذا الأمر غير صحيح على الإطلاق، وأن الأهل الذين يضربون أطفالهم سيما الصغار منهم، هم الذين يفتقدون هيبة الكلمة الفاعلة التي يمكن أن تؤثّر في الطفل بعيداً عن ضربه.
فإذا ما أخذنا عيّنة من الأطفال الذين يضربون من قبل آبائهم أو أمهاتهم داخل مجتمعنا، سنرى أن هؤلاء الأطفال هم الأكثر شراسة في التعاطي مع الآخرين، اذ تراهم غالباً ما يلجأون إلى ضرب الأطفال الأكثر هدوءاً واتزاناً، أو يضربون من هم أصغر منهم سناً من دون سبب، فقط تماهياً مع أهلهم الذين يضربونهم، أو ربما انتقاماً لعجزهم وضعفهم عندما يُضربون من قبل أهلهم، يضربون عندما يستطيعون ذلك ليقنعوا أنفسهم بأنهم ليسوا عاجزين.
وإذا ما استمررنا في مراقبة سلوك هؤلاء الأطفال سنجد أنهم لا يلتزمون بكلام أهلهم، وإذا أطاعوهم لحظات تحت وطأة التهديد أو الضرب، فإنهم سرعان ما ينفلتون من عقال ذلك بأقرب فرصة، لأن تنفيذ طلبات الأهل التي تتحول إلى ما يشبه الأوامر ارتبط بذهنهم بالضرب، وليس بحوار وأسلوب يشرح لهم مضار الأشياء وكيفية تفاعلهم معها، فيشعرون أنهم مكرهون دائماً على ما يجب أن يفعلوه.
لذلك يبقى هؤلاء الأطفال أكثر عرضة لارتكاب الأخطاء من الأطفال الذين يعاملون برقة وحنان، لأن المعاملة الطيبة للطفل تُشعره بالأمان، فتُكسب شخصيته الاتزان والإقبال على السلوك الحسن برغبة كبيرة بعيداً عن جو التعنيف والخوف.
كل الأطفال يخطئون، وتصدر عنهم الأفعال التي قد تغضب الكبار، لأنهم غير مدركين لتصرفاتهم، وإن بنسب متفاوتة، وجميعهم يحتاجون إلى التدريب وبث الوعي فيهم، ويحتاجون إلى صدر رحب يستوعبهم ويصبر على ما يصدر منهم من أفعال، على أن تتوقف الأم أو الأب عند كل فعل لشرحه وتفصيله للصغير، واستخدام مختلف الوسائل الهادئة التي توصل إليه الهدف دونما ضربه أو إيذائه. وأياً يكن من سبب يجب أن لا يُضرب هؤلاء الصغار، خاصة الذين هم في سنيهم الأولى، أياً يكن الفعل الذي صدر عنهم.
إن أهم ما في الأمر هو استيعاب الأهل لمدى قصور المعرفة لدى أبنائهم، والعمل على الارتقاء بهذه المعرفة بأسلوب حواري هادف وحنون، يصل معه هؤلاء الأبناء إلى بر الأمان.
ماجدة ريا

Saturday, October 25, 2008

"إسرائيل" والسطو على التراث اللبناني


من البديهيات التاريخية أن الكيان الصهيوني الغاصب قائم في أصله وأساسه على السطو، واحتلال أراضي الغير، وهو الكيان الذي تجمّع شتات اليهود فيه من جميع أصقاع العالم على أرض ليست لهم، بل اغتصبوها من أجل ذلك.
كل هذه البديهيات تؤكّد أنّ "دولة اسرائيل" التي زرعت على أرض ليست لها، لا ماضي لها ولا تراث، وأن سكانها من اليهود هم مجموعة من البشر ارتضوا لأنفسهم أن يكون لهم دولة على أرض اغتصبوها من أهلها معتمدين في ذلك سياسة القتل والتدمير والتهجير.
بقوة الإرهاب قام هذا الكيان الغاصب واستمر، وبدعم دولي غير مسبوق أخذ شرعية الدولة المسماة إسرائيل.
ولما كان "الشعب" في اسرائيل مكوناً من مجموعة أشخاص ينتمون إلى عرقيات وإثنيات مختلفة، لم يستطيعوا تكوين أي تراث يخص هذه الدولة المصطنعة، وكان لا بدّ من ايجاد هذا التراث، ولو على الطريقة التي قامت بها دولة اسرائيل، وهي طريقة السطو والنهب والسرقة من كل الدول المجاورة.
فالتراث هو الذي يشير إلى حضارة كل بلد، من ثقافة وفن وزي وفلكلور ومأكولات شعبية، فيحفظها على أنها تخص هذا البلد دون ذاك، فنرى أن كل بلد من البلدان يشتهر بخصائص تميّزه عن غيره.
وكان لا بد لـ"إسرائيل" من التعدي على تراث الآخرين، لتنسب ما تشتهيه لنفسها على أنه تراثها، على حساب تدمير تراث الآخرين وتشويه صورتهم.
وطبعاً كان للبنان نصيب الأسد من هذه التعديات، لبنان الذي تطمع إسرائيل في كل خيراته، في أرضه ومياهه، امتدّت يدها أيضاً إلى تراثه، لتسرق أهم ما يميز المطبخ اللبناني، وهي المازة اللبنانية ـ الحمص والفلافل والبابا غنوج والكبة (أقراص الكبة المقلية) والتبولة والفتوش ـ وتصنّعها وفقاً للطريقة اللبنانية الذي اشتهر بها المطبخ اللبناني منذ مئات السنين، ومن ثم تقدمها على أنها مأكولات من التراث الإسرائيلي، وعلى أنها صناعات غذائية اسرائيلية الأصل والصنع.
هذا الأمر يحدث منذ سنوات عديدة، فقد أكد أحد المغتربين اللبنانيين في كندا، أن هذه المعلبات التي تحتوي على هذه المأكولات اللبنانية الجاهزة تباع منذ أكثر من 13 سنة على أنها إسرائيلية.
كما أن إسرائيل تصدّر منذ سنوات الحمص الى بريطانيا، وتدّعي انه طبق تقليدي للشعب الاسرائيلي.
وتحتدم المعركة اليوم بعد تحرك جمعية الصناعيين اللبنانيين لتقديم دعوى ضد اسرائيل بسبب هذه السرقات، ولا سيما أنها تتسبّب بخسارة عشرات ملايين الدولارات سنوياً بحسب فادي عبود رئيس الجمعية، حيث تقوم "اسرائيل" بتصنيع هذه المأكولات وتقديمها في علب صغيرة بلاستيكية للمستهلك في المحلات والسوبرماركات في أوروبا والولايات المتحدة، على أنها مأكولات تقليدية إسرائيلية، بينما هي في أصلها وتركيبتها وأسمائها لبنانية.
كما يؤكّد فادي عبود أن الخسارة ليست مادية فقط، وإنما هي خسارة معنوية كبيرة، فـ"إسرائيل" تسرق حضارتنا، وهويتنا الثقافية، وموسيقانا واليوم مطبخنا. فوجئنا في معارض عدة برؤية الكشك والكبة والتبولة ودبس الرمان والحمص، والحمص بطحينة وماء الورد وماء الزهر ومئات الأصناف، مصنّعة في "اسرائيل" مع الادعاء انها أصناف اسرائيلية.
واعتبر أننا لا نستطيع منع "إسرائيل" من تحضير اصنافنا، ولكن على الأقل يجب الا نسمح لها بأن تسرق مطبخنا وتدّعي انه لها.
وحتى تتمكّن الجمعية من إقامة هذه الدعوى لا بد لها من إثبات تاريخ انتماء هذه المأكولات إلى لبنان وتسجيلها لتقديمها الى المحكمة الاوروبية، بما ان لبنان موقّع اتفاق شراكة مع أوروبا، إذ أن الدول الأوروبية بدأت بتسجيل أصنافها ومنتجاتها الزراعية والجغرافية منذ العام 1992، ولبنان لم يقم بتسجيل أي من منتجاته عالمياً بعد، لكنه يمكن أن يفعل ذلك الآن من خلال العمل على إعداد ملف كامل عن هذه المنتجات بمساعدة وزارة الاقتصاد والتجارة، ومن خلال الأبحاث التاريخية الموجودة حول هذه المنتجات، واذا ما اكتمل الملف يمكن تسجيل هذه المنتجات خلال 6 أشهر وسنة ونصف السنة، إذ يبقى ذلك رهن اكتمال عناصر الملف.
ويشير هنا فادي عبود إلى أنه "ليس بالضرورة ان تقتنع فورا الجهات الاوروبية المعنية، بل سيجري الأوروبيون تحرياً واسعاً للتأكد من أنّ هذه الاصناف لبنانية".
ويرتكز تفاؤل جمعية الصناعيين اللبنانيين في نجاح عملية التسجيل على سابقة حدثت اليوم، عندما حصل صراع حول الجبنة اليونانية "فيتا" وكسبت اليونان الدعوى، ولذلك يستطيع لبنان اعتماد الأسلوب نفسه الذي اعتمدته اليونان، وهو أن هذه المواد الغذائية معروفة تاريخيا وتقليديا على أنها مأكولات شعبية لبنانية".
كما استطاع لبنان سابقاً أن يثبت أن الحمص والكبة والصفيحة، اصناف وصلت الى البرازيل في عام 1862 مع هجرة اللبنانيين. واول علبة حمص بالطحينة، صنّعت في الشرق الاوسط، خرجت من لبنان، وكان ذلك في خمسينات القرن الفائت، بناء على أبحاث تعود إلى 200 و300 سنة.
لبنان الذي استطاع تحرير معظم أراضيه، واستطاع تحرير مياهه وأسراه، سيستطيع ان شاء الله تعالى تحرير كامل تراثه من براثن العدو الصهيوني الذي لا يكف عن الاعتداء، فلا بدّ لكل مقاومة تسلك طريق الحق من الانتصار.
ماجدة ريا

"جين بيت" اللعبة الجينية: حرب جديدة تحتاج إلى موقف

الكائن الغريب اسمه "جين بيت" أي الحيوانات الأليفة الجينية وهو الاسم الذي أطلقته عليه الشركة المصنّعة الموجودة في كندا وهي شركة "بيوجينيكا".
وهذه الشركة تعمل في الأبحاث الجينية منذ حوالى العام 2003، كان لها أن توصّلت مؤخراً إلى إنتاج هذا الكائن الغريب من أجل طرحه في الأسواق كلعبة للصغار.
تؤكّد الشركة أن هذا الكائن هو مزيج من جينات بشرية وجينات حيوانية!
قامت الشركة بخلط هذه الجينات للحصول على ما يشبه المسخ البشري، إذ أن هذه اللعبة تعتبر كائناً حياً، ينتمي إلى فئة الثدييات لكنه لا يستطيع التناسل، كما تحكمّت الشركة بموضوع سنوات حياته، فأنتجت منه نوعين، أحدهما يعيش لمدة سنة، والآخر يعيش لمدة ثلاث سنوات فقط.
كما تحكّمت الشركة المنتجة بالصفات والخصائص التي تمنحها لشخصية اللعبة من خلال استخدام الهندسة البيولوجية وألوان جينية فتحدّد هذه الخصائص كل نوع من هذه اللعبة حسب لونه، فاللون الأحمر يشير لكون اللعبة أكثر عدوانية وصرامة، أما الأخضر فيشير لهدوء واستقرار الحالة المزاجية للعبة، ويوجد منها سبعة أنواع مختلفة.
وهكذا تكون الشركة المنتجة قد حدّدت العمر الأقصى، والطبيعة لكل شخصية من خلال الهندسة الجينية التي اعتمدتها فيها.
يأتي هذا بعد أن حدّدت طبيعته وتركيبته الجينية الغريبة التي أعطته صفة الكائن الحي، فهذه اللعبة تتنفس ولها أوعية دموية وعظام وقلب ينبض وعظام تتحرك، تنزف إذا جرحت وقد تموت إذا أُسيئت معاملتها! لديها مشاعر وأحاسيس، تأكل وتجوع، غير أنها لم تخلق من أبوين كسائر الكائنات الحية.
ومن أجل المحافظة عليها زُوّدت هذه اللعبة بأجهزة رصد لحركات القلب وفتحات تهوية وتغذية، كما زُوّدت بأنابيب تغذية تتصل بعبوة طعام ملحقة بحقيبة محمولة داخلها وضعت خصيصا لتوفير التغذية المطلوبة لها بهدف إبقائها سليمة ونائمة، خاصة عند وضعها على أرفف المحال التجارية وعلى الرغم من ذلك فهي لا تخرج فضلات.
وعند بيعها، تُقدّم الشركة المنتجة لمن يشتريها مواد بروتينية معينة يتناولها هذا الكائن مرة أسبوعيا كي يبقى على قيد الحياة.
هذا الكائن يستطيع التفاعل مع مستخدميه بعد أن يُخرج من الصندوق البلاستيكي حيث يتخلص من حالة البيات الذي تتمكن منه طوال وجوده في الصندوق، ويفتح عينيه بالتدريج في خلال ما يقرب من 20 دقيقة.
إلاّ أنه لا يستطيع أن يتحرّك إلا حركات بسيطة للغاية تشبه حركات الطفل الحديث الولادة، فهو لا يمشي على قدمين ولا على أربع ولكنه يهتز في حركته ولا تصل هذه الحركة حتى إلى مستوى الزحف البطيء.
وهذا ما يُضفي عليه صفة الكائن العاجز تماماً سوى عن أنه يشعر بالألم لحالته، أو ربما لوجوده!
إن مسألة وضع مثل هذه اللعبة في الأسواق تُمثّل خطراً كبيراً على نفسية الأطفال وتنشئتهم، عدا عن أنها تُشكل تعدياً صارخاً على خلق الله سبحانه وتعالى الذي جعل الإنسان في أحسن تكوين! فإلى أي هوية يأخذ هؤلاء المتطفّلون على العلم "الإنسانية"، وإلى أي درك ينحدرون بها؟
ولو بقينا في مضمار رد الفعل التلقائي للأطفال، فالطفل عندما يفقد لعبة لا تحس ولا تشعر، لعبة بلاستيكية، يحزن لأنه فقد شيئاً يخصّه، وإذا ربّى قطة وتعلّق بها، وبدأ يشعر بأنها تستجيب له، سيحزن أكثر وأكثر عند فقدها، فما الحال مع هذا الكائن الذي يحس ويشعر ويتفاعل مع الطفل، ومن ثم يذهب إلى أجله المحتوم؟ أي وضع نفسي سيواجه الطفل عندها؟؟
عندها تطلب منه الشركة بكل بساطة أن يعيد هذا الكائن إليها لتستفيد منه مجدّداً في إعادة تدويره، أو يتوجّب عليه عندها أن يدفنه في حديقة المنزل! وكأن شيئاً لم يكن؟ فكم سيترك ذلك من آثار سلبية على نفسية هذا الطفل!
من المؤكّد أن الهدف تجاري بحت بل ذهب البعض إلى وضعه في خانة تحدي قدرة الله جلّ وعلا والعياذ بالله من مثل هذه الأفعال، فها هي الشركة حدّدت سعر اللعبة الواحدة بألف ومئتي دولار! هذا في المحال التجارية التي تخصّها حيث يقتصر وجود اللعبة حالياً عليها فقط، وما زالت الشركة المنتجة تنتظر حتى الآن الحصول على الموافقة الرسمية من الجهات المعنية لإطلاق المنتج العجيب في شتى أنحاء العالم، حيث يأمل مسؤولو الشركة الحصول على تصريح البيع والترويج قريباً.
وهذا يعني أن المعركة ما زالت في بداياتها من أجل الوقوف في وجه انتشار هذا المنتج، ومنع وجوده في أسواق بلداننا العربية والإسلامية، ولعل مثل هذه المعركة بدأت بوادرها تظهر حيث حذّرت بعض دول المنطقة من تداول مثل هذه الألعاب في أسواقها متخذة تدابيرها الخاصة في ذلك من خلال التشديد على منافذ دخولها سواء كان ذلك عبر الموانئ أو المطارات وأيضاً عبر المناطق الحدودية البرية بعد أن أكدت بعض المنظمات والهيئات الاسلامية تحريم تصنيع وتداول مثل هذه الألعاب، فيما أكد مصدر مطلع بالإمارات عدم تداول اللعبة المذكورة بالبلاد لعدم دخولها أصلاً.
كما أطلقت بلدية دبي منذ مدّة حملة تستغرق أسبوعاً للتأكد من خلو دبي من ألعاب جينية، وتمّ التّأكد أن الإمارة لا توجد فيها هذه اللعبة.
واعتبرت دائرة الشؤون الاسلامية والعمل الخيري بدبي أن تصنيع مثل هذه الألعاب خروج عن صحيح الدين الإسلامي وسائر الأديان وانتهاك لحقوق الإنسان.
ولا بدّ هنا من أن تستمرّ الحملات تباعاً للتأكّد المستمر سواء في دبي أو في أي مكان آخر من أجل درء خطر وجودها قبل حدوثه.
ولا بدّ من الوقوف ملياً أمام هذا التحدّي الجديد، ولا سيما أنه ما زال في بداية التسويق له، ولا بدّ من قيام حملة شاملة ومؤثرة، أولاً لاستنكار مثل هذه الأعمال، وثانياً من أجل منع وصولها إلى بلداننا بشكل قاطع.
ويبقى ذلك في عهدة الجميع، أفراداً ومجموعات وهيئات دولية رسمية وغير رسمية، إذ يجب أن يكون التحرّك بمستوى التحدي، وقبل تفاقم المشكلة.
ونسأل الله العافية لهوية بني البشر.
ماجدة ريا

Wednesday, October 15, 2008

الكائن الغريب




هل يتحوّل العلم إلى لعنة؟
إنه عصر الجينات والتحكّم بها!
تطوّر العلم، وتطوّره لا يقف عند حدود، وفي كل يوم بل وفي كل ساعة، وربما في كل دقيقة، تسمع عن خبر علمي جديد أو اكتشاف جديد أو تقنية جديدة.. وحقول التجارب جارية على قدم وساق، لا تقف ولا تتوقّف، منها ما يرقى بالإنسان ومنها ما يأخذ في طريقه كل شيء، من دون حدود ولا محرّمات.
في السنوات القليلة الماضية كان السجال حامياً حول مسألة الاستنساخ، سيما في ما يتعلّق بالبشر، وما بين موافق ومعارض لم يتوقّف هذا الأمر، والمعنيون به استمرّوا في أبحاثهم وتجاربهم غير آبهين لمن يوافق ومن يعارض.. ورأينا النعجة "دوللي" وغيرها من الحيوانات التي جرى استنساخها.
إلاّ أنّ هناك سؤالاً يفرض نفسه بقوة: هل يكون العلم من أجل الإنسانية وبنائها وتطورها؟ أم يكون فقط من أجل العلم وإجراء التجارب دون النظر إلى نتائجها؟ وإذا ما نُظر إلى نتائجها فما هو المعيار؟
هناك من قال إن مثل هذه الأمور تخدم الإنسانية.. ولكن هل كل الأبحاث تخدم الإنسانية! وهل يُسمح للعلماء فعل كل ما يريدون؟ وتحقيق كل تجاربهم دونما حسيب أو رقيب؟ وماذا عندما يصبح المعيار هو تحقيق الأرباح والمتاجرة بالعلم على حساب القيم والأخلاق الإنسانية، حتى لا نقول الدين، لأنه لا يوجد دين من الأديان السماوية يعارض القيم والأخلاق؟!
اليوم سمعنا عن الابتكار الجديد، ابتكار يهتزّ له الوجدان، ويؤلم الضمير الإنساني، ويقهر كل كائن يسعى لرقي بني عرقه من البشر.
اليوم تعرّفنا الى ما توصّلت إليه يد اللاعبين بالجينات من ابتكار فظيع!
تعرّفنا إلى تطور مريع ينزل بمخترعيه إلى الدرك الأسفل، إذ يمكن للإنسان السوي أن يتوقّع أي شيء، لكنه قد لا يتوقّع حدوث مثل هذا الأمر أبداً!
وعند التفتيش على الدوافع والأسباب سيجد أنها مادية بحت، تجارية بحت، ضاربة بعرض الحائط أي إحساس انساني.
فماذا نتوقّع عندما تُخلط الجينات البشرية مع أخرى حيوانية؟ من أجل إنتاج كائن حيّ غريب ومهجّن؟
سمعنا عن تهجين النباتات، ولكن عندما تهجّن النباتات فهي تطعّم بنباتات تماثلها بشيء ما، وهي كلّها نباتات.
وسمعنا عن حيوانات هجينة، سواء جاءت مبنية على إرادة إنسان أو لأن الحيوان حيوان يمكن أن يتزاوج مع حيوان يشبهه ولا يكون من فصيلته.
ولكن ما لم نتصوّره قط أن تُخلط الجينات الإنسانية بأخرى حيوانية! ويا للأسف، إلى أي درك وصل مثل هؤلاء المدّعين للعلم، ولم يفكّروا بتلك الروح التي ستنشأ عن عملهم ذاك، وهم يدركون أنها تتألم وتشعر كأي كائن آخر!
والهدف هو بيعها كلعبة للصغار وجني الأرباح الطائلة، لأن الجميع سيتّجه إلى شراء هذا الكائن الغريب الذي لم يسبق أن رأى أحد مثله أو حتى تصوّر وجوده، أو فكر بأنه يمكن أن يوجد أصلاً.
هذا الأمر مثير لفضول جميع الناس الذين سيفاجأون بوجوده.
ولكن كيف يُقدّم هذا الكائن للصغار الذين يشترونه؟ وماذا سيُقال لهم عندما ينتهي أجله المحتوم، لأنه يعيش فترة محدّدة تتراوح بين سنة وثلاث سنوات؟ وكيف سيتقبّل الصغار فقدانه بعد ذلك؟
وماذا عن مشاعر هذا الكائن الضعيف الذي افترى عليه العلماء بإيجاده؟ وهل بات الإنسان رخيصاً إلى الحد الذي تجمع جيناته بالجينات الحيوانية من أجل إرضاء فضول وجموح بعض الأشخاص غير الأسوياء؟
كيف يُسمح لهم بذلك؟ كيف يُسمح بانتشار مثل هذا الأمر من دون وازع أو رقيب؟
بئس العلم والعلماء عندما يكون الأمر على هذا النحو.. ونسأل الله العافية والنجاة أمام كل ما نسمع ونرى.
ماجدة ريا

Saturday, September 27, 2008

المسلمون في شهر الرحمة

الشهر الكريم يضيء أيامنا بنور تنتشر أشعّته في رحاب الأرض الواسعة، إذ لم يبقَ مكان في العالم إلا وقد قصده أحد من المسلمين، فأناره بنور الإسلام ورسالته السمحة.
حيث يحل المسلمون يحملون معهم دينهم بكل تطبيقاته وأحكامه، التي يدخل في صلبها شهر رمضان المبارك، الذي هو خير الشهور وأفضلها، والذي فيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.
يحتفي المسلمون في جميع أقطار العالم بهذا الشهر الفضيل، ربما يكون لكل بلد ما يميّزه في احتفائه، لكن الجميع يشتركون في الصيام والقيام والتهجّد والتعبّد والتقرّب إلى الله في كل ما أمر به.
يجتمع المسلمون في العالم على الاحتفال ببداية هذا الشهر الكريم، فيفرحون لقدومه ويزينون الساحات والبيوت، ومنهم من يقوم بطلاء البيوت ابتهاجاً كما في السودان، ويهنّىء المسلم أخاه المسلم بقدوم شهر الرحمة. وفي بعض البلدان يتزاورون من أجل هذه التهنئة كما هي الحال في المغرب.
ولبعض البلدان تقاليد خاصة يقومون بها مع قدوم الشهر الكريم نذكر منها:
ـ في جزر القمر يخرج السكان في الليلة الأولى من شهر رمضان حاملين المشاعل متجهين إلى السواحل، حيث ينعكس نور المشاعل على صفحة المياه، ويضربون بالطبول إعلانا بقدوم رمضان.. ويظل السهر حتى وقت السحور.
ـ في باكستان ينشغل الباكستانيون مع قدوم شهر رمضان بإجراءات السفر لعمرة رمضان التي يحرصون عليها حرصا شديدا، ولا يمنعهم عنها إلا ضيق ذات اليد.
ـ في اليمن، قبل رمضان بثلاثة أيام، تبدأ مآذن صنعاء بالترحيب بالضيف الحبيب، فتبدأ مئذنة الجامع الكبير بالتكبير والتهليل. كما تقفل معظم المحال التجارية أبوابها، لذلك يقوم اليمنيون بتخزين احتياجاتهم خلال شهر شعبان.
ـ في تايلاند حيث يمثل المسلمون ثلث المجتمع التايلاندي، لا بد من أن يُفتح في كل مدينة وكل قرية مسجد جديد في شهر رمضان، حتى لو كان المسجد صغيرًا ومتواضع البناء. وتسعى كل قرية ومدينة طوال العام لجمع الأموال حسب إمكانيات كل أسرة لبناء المسجد الجديد، ويحرص معظم الأشخاص على العمل بأنفسهم في بناء هذه المساجد أيًّا كان نوع العمل.
ويهتمّ المسلمون هناك بالأشخاص الذين يحفظون القرآن بأكمله، إذ يحملونهم على الأكتاف في مظاهرات فرحة، ويُطاف بهم في الشوارع، وعندما يبدأ شهر رمضان تعلن أسماء الذين حفظوا القرآن الكريم، وتتردد أسماؤهم على كل الألسنة، ويسمح لهم بتلاوة القرآن في المساجد.
وفي اليوم الأول من شهر رمضان لا بد من أن تذبح كل أسرة تايلاندية مسلمة ذبيحة احتفالاً بشهر رمضان.. حتى أن الأسر الفقيرة تكتفي بذبح أحد الطيور. المهم أن الذبح في اليوم الأول للصوم عادة تايلاندية منذ سنوات طويلة تحرص عليها كل أسرة.
ـ في السويد يستأجر المسلمون "مصلّيات" يقيمون فيها الصلوات والشعائر المختلفة، وتفتح أبوابها في رمضان طيلة اليوم، حيث تحيى أول ليلة بصلاة الجماعة وحلقات الذكر وقراءة القرآن.
ـ في الفلبين تُعتبَر أيام رمضان بالنسبة للمسلمين عطلةً اختياريةً من أعمالهم من أجل التفرّغ للعبادة. كما يخرج الأطفال مرتدين الثياب المزركشة حاملين في أيديهم ما يشبه فوانيس رمضان، حيث يستقبلون المصلين بالأغاني والأناشيد. ثم يزورون المساكن المجاورة للمسجد، ويظلون على هذه الحال حتى يحين موعد السحور، فيقومون هم أنفسهم بإيقاظ الأهالي لتناول السحور.
ـ في ليبيريا توزع السيدات "اليروريم" (وهي أكلات خاصة من الأرز)على الأسر غير المسلمة التي تشارك المسلمين شهر رمضان. وتقيم قبيلة "مادنجو" التي معظمها من المسلمين طوال الشهر موائد في الطرق أوقات الإفطار، ويحرص أي شخص من كل أسرة على الإفطار على هذه الموائد في الشوارع بالتناوب.
ـ في تنزانيا تكثر الزيارات وتبادل الهدايا بين العائلات. ويصوم كل الشعب المسلم في تنزانيا، بداية من الأولاد في عمر 12 سنة حتى الشيوخ، وهم يصفون المفطر بالإلحاد والزندقة والكفر.
ـ في بريطانيا تقوم الجمعيات الإسلامية بإعداد الإفطار الجماعي في المساجد، ثم يتبع ذلك محاضرة ثم صلاة الجماعة. وفي هذه الأماكن يشعر المسلمون بالجو الرمضاني حيث يفتقدونه في الشارع والأماكن العامة.
ـ في تشاد تبرز سمة التكافل الإسلامي في أبهى صورها، حيث يتسابق الأثرياء من المسلمين في تقديم وجبات الإفطار للفقراء والمساكين وعابري السبيل.


جميع المسلمين يحتفون بهذا الشهر الكريم، ويهتمّون اهتماماً جيداً بعباداتهم، كما يهتمّون بإعداد أنواع الأطعمة المخصصة لهذا الشهر، وهي تختلف من بلد لآخر، حيث يشتهر كل بلد بنموذج معين من الأطعمة الخاصة بسكانه، إلا أن الحليب والتمر يظل الصنف المشترك بين الجميع لتعمر بها الموائد.
ويزداد اهتمام المسلمين بشهر رمضان في الأيام العشرة الأخيرة منه، إذ يشعر المسلمون بأن أيام هذا الشهر
الكريم آخذة في الانقضاء، كما أن لهذه الأيام فضلا كبيرا، ففيها ليالي القدر.. حيث يتفرّغ المسلمون بشكل أكبر للعبادة، تصل لدى البعض إلى حد الاعتكاف في المساجد من أجل الاستفادة من كل دقيقة متبقّية من هذا الشهر الفضيل.
ـ في باكستان في العشرة الأواخر يتناول الرجال طعام السحور مُجتمِعين في المساجد القريبة من منازلهم، وقبل وقت السحور يقرأون القرآن الكريم.
ـ في اليمن نجد هتافات الوداع في الأيام الأخيرة منه، والتي تُعبِّر عن حزنهم لفراق شهر رمضان.
ـ في دمشق في العَشرة الأواخر تنهمك النسوة في إعداد حلوى العيد، وخاصة المعمول المحشو بالجوز أو الفستق الحلبي. وهي أيام لا يعرف أهل دمشق فيها النوم والسكينة، فترتدي المدينة حلة قشيبة من الأنوار تنير المآذن والمساجد والطرق.
ـ في السودان في العشرة الأواخر يزداد الناس خشوعاً وتعبداً، ففيها صلاة التهجد وتحري ليلة القدر. كل مجموعة تسعى لزيارة جميع أهل القرية أو المدينة التي يقطنون فيها.
ـ في تشاد في العشرة الأواخر من رمضان يحتفل المسلمون عادة بليلة القدر التي وصفها الله في كتابه العزيز بأنها خير من ألف شهر، حيث يكثرون من الذكر، وفي الوقت نفسه يستعدون لاستقبال عيد الفطر المبارك..
وهو العيد الذي يستعد له كل المسلمين في أقطار العالم. نسير نحوه سريعاً، تفصلنا عنه أيام قليلة، عسانا نستطيع أن نغتنمها، فيكرمنا الله سبحانه وتعالى ويجعلنا من عتقائه من النار.
ماجدة ريا