Tuesday, February 20, 2007

البصيرة

"هل وصل الجميع؟"
رنّت كلمات الناظر العام في أذنينا بكل لطف ومودّة وهو يتفقّد وجوه أعضاء اللجنة الإجتماعية في المدرسة، والتي كانت تتكفّل بحضور المناسبات الإجتماعية للأفراد العاملين فيها من مدرّسين، إلى إداريين، إلى عمّال، وسائقين...
هذه المرّة كنّا متوجّهين للمباركة والتهنئة بزفاف الأستاذ "علي" مشرف النشاطات في المدرسة، وهو فنّان متمرّس في التخطيط والرسم، تنطق لوحاته وأعماله بما يختزن في نفسه من حسٍّ مرهف وذائقة فنّية عالية، وكان ذلك يتناسب مع دقّة ملامحه التي رسمها الخالق بإتقان، ووهبه معها ذلك الثغر الباسم للحياة.
سألتُ صديقتي جميلة التي كانت تجلس بجواري:
" هل تعرفين زوجته؟ فهي من بلدتكم؟"
"طبعاً أعرفها، أعرفها جيداً ومنذ زمن بعيد، يوم كنا في مدرسة واحدة."
"وهل هي لطيفة مثله؟"
"سترينها يا سعاد"
كنا قد وصلنا إلى باب المنزل، وظهر من خلاله الأستاذ علي بابتسامته المعهودة التي لا تفارق ثغره، مُرحِّباً بالضيوف، مُستلماً هديته.
دخلنا إلى غرفة الجلوس حيث أخذ كل منا مكانه، ولا عجب في أن منزله كان ملفتاً ينم أثاثه عن ذوق فنان محترف، أما الألوان فقد طغى عليها اللون "الخمري" والذي يعطي انطباعاً دافئاً لمن ينظر إليه، وهمست في أذن صديقتي:
"إنه صاحب ذوق رفيع"
فقالت "وزوجته أيضاً فقد اشتركا معاً في الإختيار".
" لقد شوقتني، ألن تأتي لنتعرّف عليها؟"
"ها قد أتت"
وقف الجميع ليسلم عليها مهنّئاً، وأنا أتأمّلها بتمعّن، كانت رشيقة القامة، جميلة الملامح، وثبّت نظري على وجهها، أدرس تفاصيله، وددت لو أستطيع أن أرى عينيها، "فلم تضع تلك النّظارة السوداء؟ فلا يظهر منهما شيئاً". سلمت عليها متمنية لهما حياة هانئة، وجلست أتأملها بصمت، والحيرة تستبد بي. لاحظت جميلة ذلك، لكنها ابتسمت وكأن شيئاً لم يكن.
فكّرت أنها ربما تكون ضريرة؟ لكنها كانت تقوم بواجب الضيافة على أكمل وجه ودون مساعدة من أحد، وتتنقّل في المنزل دون الإستناد إلى أي شيء، فعلاً إن الأمر محيّر، أتذكر الكلمات التي قالتها لي جميلة قبل قليل، إنها شاركت في اختيار الألوان والديكور، أتحدث إليها فتلتفت نحوي كما لو أنها كانت تراني لكنني لا أرى عينيها، فتزداد حيرتي، وأحاول أن أخفيها، لتمر الأمور عادية، والسؤال يكوي أحشائي:
" هل يمكن أن تكون ضريرة؟!".
في طريق عودتنا، نظرت إلى جميلة وسألتها بفضول:
" هل تضع هذه النظارة دائماً؟ كنت أتمنى أن أرى عينيها."
نظرت جميلة نحوي وقد تحشرج صوتها، وامتلأ بالتأثّر:
" نعم، تضعها دائماً!"
" لا تقولي إنها..."
" بلى يا سعاد... إنها ضريرة"
" ولكنها تتصرف بثقة تامة ودون مساعدة من أحد، ولا حتى بعصا؟"
" صحيح، لأنها مبصرة القلب، فأنت لا تعرفين عنها شيء إذاً"
" حدّثيني عنها، لقد أثرت فضولي أكثر"
" إنها تقوم بكل أعمال المنزل حتى الطهو وبدقة متناهية، بل وتحيك الصوف أيضاً"
" دون أن ترى"
" ولا ترضى بأي شيء ما لم توافق عليه، من خلال اللمس، والإحساس العالي، والوصف.."
"وهل تستطيع تخيل الأشياء؟"
"جداً! فهي لم تولد ضريرة يا سعاد"
قالت ذلك بصوت منكسر وكأنّها تحس بألم صديقتها، وحسرتها لفقد بصرها، فتابعت حديثي معها وقد جرفتني المشاعر نحو الشاطىء الآخر، هناك حيث يمكن أن تشعر بقيمة النعمة العظيمة التي يفتقدها من خسرها، وعادت تلوح لي عن قرب ، حتى غدت قريبة جداً من مخيلتي، فأجهد باستحضارها، وتأسرني الأسئلة "أنّى لها استذكار كل تلك الأشياء بعد أن مرّ عليها زمن بعيد، لتحسّ بها بتأثّر بالغ، وتعيشها وكأنها تعيش حياة طبيعية لم تعطب، وكم تملك من الإيمان بما قسم لها ربّها، فتعيش هانئة، راضية، وتجهد في القيام بدورها بشكل فاعل دون ان تتحول إلى عبء يثقل على الآخرين".
خرجت الكلمات بصعوبة من بين شفتي وأنا أسألها:
"كيف حدث لها ذلك؟"
"في حادثة في المدرسة، كانت في الحادية عشر من عمرها"
" صحيح... لقد أخبرتني أنكما كنتما في مدرسة واحدة"
إلى أن تعرّضت لهذا الحادث المرير، لكننا بقينا صديقتين، بل هي من أقرب صديقاتي "
" جميل أنها ما زالت تُقبل على الحياة بقلب منفتح، وإيمان كبير"
" إن لها قلباً منفتّحاً ومبصراً أكثر مما تتصورين."
" لا أعرف ماذا أقول...في الواقع إنّ العمى الحقيقي هو عمى البصيرة وليس عمى البصر."
"فعلاً يا صديقتي، إنّ العمى الحقيقي هو عمى البصيرة وليس عمى البصر."
ماجدة ريا

Friday, February 16, 2007

أسبوع المقاومة

سيدي عباس...
توالت السنون وما غاب طيفك عنا
تنطوي أرقامها تباعاً
تضيء أحرفها شعاعاً
وأنت تكبر فينا
فتكبر المقاومة...
امتدّت إليك يد المكر لتغتالك!
ظنّت أنها تغتال المقاومة
بثوب القائد!
لم يدروا أن كلّ قطرة دم من دمك الطاهر
انجبت بطلاً.. هو على الظلم ثائر
يقرأ عمق الجراح
فيهتف حي على الفلاح
هيا إلى الكفاح
فيبلسمه
مهما كان عمق هذا الجرح الغائر..
لم تدرِ
أن المقاومة روح لا تُغتال
وأنّك لئن استشهدت
ستبقى فينا المثال
وأننا نقوى بالشهادة
وهي فخر للرجال
ستبقى فينا أنشودة عذبة
يتردّد صداها عبر الأجيال
نحفظها.. نحفرها في الخاطر
نسكنها الأرض والتربة والجبال
فنحن كما أردتنا أن نكون،
مقاومةأبيّة، قويّة، صامدة
.. وما تزال
ترهب الأعداء
بالفعل لا بالأقوال..
سيدي...
لئن عادت الذكرى
فقد عادت بالبشرى
بالنصر وتحرير الأرض
والفرحة الكبرى
بانهزام عدو
يعيش في حيرة
من أين يحمل نعش الإنهزام
فلتعيّد المقاومة عيدها
ولينشد المحبّون أناشيدها
ولتعلو الأصوات
بأجمل النغمات
وأعذب الصلوات
على محمّد وآله وصحبه الكرام.

Monday, February 12, 2007

نداء عاجل

هذه المدونة هي لانتاجاتي وما يكتبه قلمي، وقراري أن لا أنشر فيها غير ما أكتبه، ولكن هذا النداء الهام جعلني أكسر القاعدة، وأنشره كما وصل إلى أحد المنتديات الثقافية التي أزورها بشكل دائم.
وإليكم النداء

"حملة إعادة بناء مكتبة الجامعة الإسلامية بغزة"
" نرسل كتاباً ونحفظ أمة"
"إن الفكر لا يهزم وإن الأمة لا تموت"
لم نكن نتخيل أن يعيد التاريخ صورة مكتبة بغداد في غزة.. ولم نكن نتخيل أن يشهر بعض بني جلدتنا سلاحهم ليحاربوا ورقاً وفكراً وكتباً لتحترق قلوبنا وأمالنا مع ألسنة اللهب التي طالت مكتبة الجامعة الإسلامية بغزة الصرح الذي خرج ألاف المفكرين والمثقفين والجامعيين والمناضلين حملة للفكر وسدنة للرسالة وسفراء للقضية... لكن هذا ما كان...!
وإذا كان قتل الإنسان وإزهاق روحه سرقة للحياة فإن قتل الفكر وإحراقه سرقة للأمة والإرادة... وجريمة موجهة ضد الإنسانية والحضارة...
وكنا على مدى عقود الصبر الطويل من النضال الفلسطيني نسجل للمثقفين والعلماء والمفكرين الفلسطينيين أنهم حملوا أمانة القضية في مقل عيونهم ونبض قلوبهم عبر ما سطروه في ألاف الكتب وعبر ما نالوه من درجات وشهادات علمية مرموقة أكسبتهم إحترام العالم لينقلوا من خلاله معاناة شعبهم وأنين جراحه وحقه المغتصب..
اليوم وقد فجعنا جميعاً بما يحدث... فقد بات واجباً أن نكف عن البكاء والعويل وأن نترجم أهات حزننا إلى دور إيجابي حقيقي على أرض الواقع يتضمن المساهمة في إعادة ما ذهب وتعويض ما خسرناه..
إن تكاتف الزنود يصنع ثورة وتعانق الأكف يصنع مسيرة ولذا فإننا ندعوكم أيها الشرفاء والأحرار من أبناء شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية والإسلامية وأصدقاءنا في العالم إلى المساهمة في " حملة إعادة بناء مكتبة الجامعة الإسلامية بغزة" عبر شعار" نرسل كتابا ونحفظ أمة"...
وحملتنا هذه موجهة لكل فرد ومنصف وقارئ ومثقف ومناضل وكاتب وإمراة وناشط وإلى كل مركز ومكتبة وسفارة وتجمع وإتحاد ونقابة...من داخل الوطن وخارجه.... ولقد إرتأينا أن نقطع الشكوك وعقبات المسافات والقوانين في العالم بطلبنا إلى الجميع أن يرسل من مكتبته الخاصة " كتابا" أو يشتريه بنفسه ثم يرسله إلى العنوان الذي حدد لهذا الهدف النبيل لنضع الكتاب بجانب الكتاب والمجلد بجانب المجلد لتعود مكتبة الجامعة أكبر وأحدث وافضل مما كانت..

أيها ألأحبة ولاصدقاء..
إن ثمن كتاب وإرساله يعني أن تساهم في تحصين شعب وحماية فكر وإعمار صرح وإنقاد مسيرة علمية فكرية رائدة..وهو من أعمال البر والخير التي تبقى مدى الدهر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها فتكون صدقة جارية يعم نفعها وأجرها إلى يوم يبعثون..

إن الحملة تتطلب وتتضمن التالي:

- أن ننشر هذه الدعوة في كل موقع ومنتدى ووسيلة إعلامية إلكترونية وورقية
- أن نجمع العناوين البريدية والإلكترونية ثم نرسل هذه الدعوة إلى كل بريد إلكتروني أوعنوان بريدي لجميع الأصدقاء والعلماء والمفكرين والمثقفين والكتاب ، وإلى الجامعات والمعاهد والنقابات ووزارات الثقافة والسفارات والإتحادات والمراكز الثقافية، وإلى المراكز العلمية والفكرية وأصحاب المكتبات ووسائل الإعلام والصحف والمجلات ودور النشر والطباعة ومراكز الجاليات الفلسطينية والعربية في الخارج .
- ترجمة هذه الدعوة بالطريقة المناسبة لمخاطبة غير الناطقين بالعربية من إخوتنا المسلمين وأصدقاءنا في العالم لسياهموا في هذه الحملة.
- نريد كل كتاب قيم في كافة العلوم الطبية والهندسية وعلوم الإقتصاد والسياسة والتاريخ والعلوم الشرعية بفروعها والأدب وكافة علومه واللغات وبكافة اللغات.

- نعول بعد الله عليكم ثم على أحبابنا وأخواتنا طلاب الجامعة الإسلامية بغزة والجامعات الفلسطينية وخاصة كليات الصحافة والإعلام ولنا معهم حديث قريب إن شاء الله
- أن نبدأ بأنفسنا في هذه الحملة الطيبة وقد تفضل الدكتور " محمد الريفي " الأستاذ في الجامعة الإسلامية بغزة حفظه الله ورعاه بالمساهمة الفاعلة في إطلاق هذه الحملة كما بادر بالتبرع بعشرين مجلداً يبلغ ثمنها ألف دولار وتلقينا العديد من الوعود ببدء الإرسال فور إطلاق هذه الحملة المباركة .
- لقد هيأ عضو إتحاد المدونين العرب الأخ أحمد دغلس مبدئياً 300000 إيميل إلكتروني عبر العالم يضم 2000 عنوان بريدي إلكتروني للجاليات الفلسطينية عبر العالم لإرسال ونشر هذه الدعوة فله منا الشكر والإمتنان.
- ترسل الكتب إلى مكتب إرتباط الجامعة الإسلامية في الأردن على العنوان التالي:
الأستاذ محمد أبو عواد
مدير مكتب ارتباط الجامعة الإسلامية
عمان، الجبيهة
المملكة الأردنية الهاشمية
تليفون: 0096265346203
فاكس: 0096265335203

ثم إليكم أيها الأحباب جميعاً ولإدارة الجامعة الإسلامية بغزة التي تعاونت معنا وللأستاذ الدكتور " محمد الريفي" وكل الإخوة الذين ساهموا في إطلاق هذه الحملة كل الإمتنان والدعاء أن يوفق الله جهودكم الخيرة وأن يجعل ذلك في موازين أعمالنا وأعمالكم .

د.محمد شادي كسكين
Shadi_dentist_5@yaho o.com
shadikasskeen@yahoo. se
http://sha3eralghoraba2a.ma ktoobblog.com

Thursday, February 01, 2007

الشهيد العائد

*أحاط بي رفاق مجموعتي، يدققون النظر في عيوني، وأنا أقول لهم "أسرعوا سأغطّي انسحابكم.
العدو يحيط بنا من كل الجهات، ولم يبقى أمامنا أي حل آخر، تحرّكت شفاههم بتمتمات الوداع الأخير، وانطلقوا عائدين، بينما أنا تأهبت لمواجهة مصيري الذي طالما حلمت به..
"شهيد" يا لها من كلمة عظيمة، لطالما دقّت مسامعي، وأرخت على خدودي مدامعي، وطمحت لها بكل تجاسر، وها أنا الآن أراها قاب قوسين مني أو أدنى...
نيرانهم تحيط بي من كل جانب، وأنا أرمي بنيران أسلحتي في كل اتجاه حتى كادت ذخيرتي تنفذ، وأيقنت أنها النهاية، تراجعت، وصلت إلى منزل مهجور، دخلته، وما هي إلا لحظات حتى سمعت أزيزاً يشبه الزلزال، وأصواتاً تتعالى...
نظرت من ثقب في الجدار، وإذا بالمنزل قد أصبح محاصراً من كل جانب بالجنود والدبابات، لعلهم يظنون أن المنزل يعج بالمقاومين!...
سمعت صوت الطائرة وهي تحلّق فوق المنزل، وعرفت أن المنزل بات عمره ثوان، كانت كفيلة بأن ألقي بنفسي من على الشرفة قبل أن يسوى المنزل بالأرض!
تسلّلت بين المدنيين، ووصلت إلى حرج القرية، وعدسات مراقبتهم تلاحقني من الطائرة، ومن الأشخاص... واقترب مني صوت المروحية الحربية، كنت دائماً أتمنى الشهادة، أما شعوري الآن فهو نزاع جديد، الشهادة كانت وستبقى هدفي ومرامي، لكنني في هذه اللحظات، وأنا أرى أن العدو يستميت في استعمال كامل قوته، فيزج بالطائرات والمقاتلين من أجل قتلي؟... كل هذا العديد والعتاد من أجل مقاوم واحد! فلو قدّر لي الله ونجوت من بطشهم، سيكون ذلك انتصار رهيب! وخذلان لهذا العدو المتغطرس... أجل من أجل ذلك تمنيت أن أبقى حياً، ودعوت الله أن أنجو... في لحظات حيرتي وأنا أتلو شهادتي، سمعت صوت الصاروخ الذي ارتطم بالأرض قربي، وفقدت وعي.
بعد وقت قصير، وعيت، وجدت نفسي مغموراً بالتراب، بذلت جهدي حتى أزلت التراب عني، نظرت حولي، رأيت الجنود يقفون على مقربة مني، كنت لا زلت أمسك بيدي قنبلتين، فتحتهما، وأنا أنتظر أن يقتربوا مني كي أفجر فيهم ما تبقى من ذخيرتي... لم يقترب أحد،وقد رأوا الدم يسيل من عيني ورأسي، وظنوا أنني مت، تركوني وغادروا جميعاً.
وما إن جن الليل، حتى نهضت من مكاني، وجدّيت في المسير باتجاه المنطقة المحررة... وأنا لا أصدق أنني لا زلت على قيد الحياة.
لست أنا فقط من لم يصدق، فقد ظن الجميع أنني استشهدت، وقد فقدوا الإتصال بي، وبث تلفزيون العدو صور الطائرة وهي تطلق الصاروخ على مكان وجودي... الجميع رأوا ذلك، وها هم ينظرون إلي كما لو أنني آت من عالم الشهادة، فأصبحت محجة للناس، يأتون ليتبرّكوا بي، ويطلقون علي لقب الشهيد العائد
ماجدة ريا

Thursday, January 18, 2007

وهل تستطيع أن تقول لا؟!

لا أستطيع أن أصف الشعور الذي خامرني وأنا أستمع إلى الخبر الذي يقول : وافق وزراء الخارجية العرب (لدول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن) على الإستراتيجية الجديدة في العراق التي وضعتها الولايات المتحدة الأميركية، وتساءلت في سرّي وهل يستطيعون غير ذلك؟ هل يؤخذ برأيهم عند احتدام الأمور؟ وهل عليهم أن يؤدّوا هذا الدور الذي بات سقيماً أمام وسائل الإعلام، كأنهم تلاميذ في حضرة وجه الشؤوم وحمّالة الحطب لتقد نار لا يذهب ضحيّتها سوى الأبرياء في العراق وفلسطين ولبنان؟
الأسئلة تبدأ ولا تنتهي، لكن لا يملك المرء سوى أن يبتسم لسخرية الأقدار التي جعلت مقدّرات الأمة العربية بيد أناس صم بكم عمي لا يفقهون، مستسلمين لما يفكّر به السيد الأمركي المبجّل، ويؤدون له التحية ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً! ومن ثم يقفون ليزعموا أنهم يعلنون عن رأي؟ فهل لهم رأي؟
وتساءلت في سرّي أيضاً، هل ذاك التحفّظ الوارد من صنعهم أم من صنع الإمريكان أيضاً، ليبدو على أنه تهديد لمن لا ينصاع للسياسة الأمريكية بأنها ستفجّر المنظقة بحرب لن ينجو منها أحد؟ ومنذ متى كان هنالك صراع مذهبي بين المسلمين ومن الذي ابتدعه؟ وهل بات تحويل الصراع إلى صراع مذهبي بين المسلمين أهون عليهم من اختيار الأسم الحقيقي للصراع؟ فلم يعد الصراع مع الصهاينة هو الصراع الحقيقي بل يلهثون وراء استرضاء "إسرائيل" ويوجّهون جام حقدهم على من يخالفهم الرأي بإن "إسرائيل" كانت ولا تزال هي العلة، وهي سبب الأسباب في كل حرب وصراع، وهي أساس الفتن، فلا تسمع أصواتهم تعلو إلا عندما يطلب منهم السيد الأمريكي إقامة ضجة حول أمر ما، أو إعلان موقف أو تأييد؟!
أي وضع مزر هذا الذي وصلت إليه تلك الحكومات؟ وأي خسة وأي انهيار؟
لا يرون ما تفعل "إسرائيل" في فلسطين؟ ولا نسمع لهم صوت ولا حتى استنكار؟
لا يرون ما حدث في لبنان وأيضاً لم يسمع لهم صوت ولا استنكار؟!
لا يرون ما يجري في العراق وحمامات الدم التي لا تتغذى إلا بوجود المحتل الأميركي الذي ما جاء إلى هذه البلاد إلاّ ليضع يده على الثروات والخيرات والحكومات...
ويجلسون معه ليصفقّوا له ولقراراته!
بالله عليكم، أليس عندهم خبراء يستطيعون أن يطلعوهم على الحقائق كما هي؟
أم أنهم يكمّون أفواههم، أو يشترونهم ليصبحوا مثلهم من المصفقين للسيد الأميركي؟
هذا السيّد يطل اليوم في مقابلة على البي بي سي ليقول "إن إعدام صدام نفذ كثأر بين المذاهب"، ليؤجج المشاعر المذهبية، مستغلاً بذلك أي حدث، فكيف بحدث مثل هذا، فهو يدرك تماماً أي شر يصنع غير آبه لا لهذا المذهب ولا لذاك! وليحشر الحكومة التي طالما دعمها بتصنيفها غير راشدة؟ يا للسخرية!!
إنه الشيطان الذي يتلوّن كل ساعة بلون، والمعيار الوحيد لديه هو مصالحه، فيطيح بأي شيء يمكن أن يقف في وجه هذه المصلحة، هو لا يحب إلا مصلحته، ولا يأبه في لون من يُقتل ولا في دينه ولا مذهبه، يلعب على الكلام كيفما يشاء، كي يصل إلى حيث يشاء، والمصيبة الكبرى أن طوابير المصطفين ليصفقوا لشيطنته تبدأ ولا تنتهي.
لا أعرف بأي قانون يُكيّف هؤلاء أنفسهم مع عدو الدين الذي أعلن حربه على الإسلام والمسلمين جهاراً، ويعلن كل يوم تأييده للعدو الصهيوني في الكيان الغاصب مبيحاً له أن يفعل ما يشاء، فيستبيح الحرمات والمقدسات في أكثر من بلد عربي... ويتّخذهم واجهة يتلطّى من خلفهم لإضفاء نوع من شرعية مفقودة يحتاجها، ويستبعدون بعد كل ذلك درء مخاطره بكل أسلحته الفتاكة والتي لا يتوانى عن استخدامها من أجل مصالحه، وخطره يأكل العالم العربي ويهضمه قضمة قضمة وهم يصفّقون له ويعلنون الموافقة تلو الموافقة على آثامه ومشاريعه التقسيمية، والأنكى من كل ذلك ليس فقط أنهم يعتبرون أنه لا يشكل تهديداً لوجودهم ومصالحهم وحسب وإنما يعتبرونه صديقاً مؤتمناً على العرض والدماء فانظروا إلى مدى أمانته في العراق، في فلسطين، في لبنان، في الصومال... وفي كل مكان تقتضي مصلحته بأن يجرّها إلى الموت والدمار، وهم يصفقون! ويعلنون الموافقة والإذعان، فهل تستطيع حقاً حكوماتهم أن تقول لا؟!!!
لا يبدو كذلك.
ماجدة ريا

لبنان بلد الحريات، وعلى الحريات السلام!

في تطور خطير يهدد الحريات الإعلامية في البلاد، شهدت آخر جلسة لمجلس الوزراء اللبناني مناقشة مستفيضة لما سُمي “قيوداً إعلامية” تحول دون “ظهور أشخاص لا يتمتعون بالكفايات الاعلامية والمهنية” على المنابر الاعلامية. وفي المعلومات التي استقتها “الأخبار” من مصادر وزارية معنية أن البحث انطلق عندما أثار وزير العدل شارل رزق استمرار تعرض محطة تلفزيون “الجديد” للقضاء، انطلاقاً من ملف توقيف زملائهم الثلاثة، وقال ان ما فعله حاطوم ورفاقه يشكل “جريمة موصوفة”، وانه لم يعد قادراً على ضبط ردات الفعل السلبية لدى القضاة المعنيين، مما اضطره الى إعطائهم الإذن للتصرف بما يرونه مناسباً. وقال: لقد أصبح الاعلام خطراً ولا بد من قواعد وقوانين تنظم ظهور الضيوف على المنابر، والسماح فقط لمن يمتلكون الكفايات العلمية والمهنية.
من جهته تدخل وزير الاعلام ولفت الى ما سماه “حجم الاستغلال” الذي يتعرّض له الزملاء الموقوفون الثلاثة في السجن، واتهم صاحب محطة “الجديد” تحسين خياط بخوض معركة “بطولية ووهمية”.
وقالت المصادر إن السنيورة وافق على الأخذ بملاحظات رزق، وأبلغ الوزراء بأنه سيطلب الى مستشاريه تحويلها الى سلة مشاريع قوانين تتناول التعديلات بالمعايير الواجب اعتمادها وإدخالها على القوانين المرعية الإجراء في قطاع الاعلام المرئي والمسموع في الوقت المناسب.
صحيفة الأخبار اللبنانية عدد الخميس ١٨ كانون الثاني 2007



ما الذي سيبقى من لبنان؟! لطالما تغنى الآخرون بالحريات الإعلامية في لبنان! لطالما كان ملجأً لكل قضية يُضيّق عليها في بلادها، لطالما كان الحصن الذي يحمي ويحفظ!
في أي طريق يسير هذا البلد؟ وإلى أين تجرّه هذه الشرذمة المتسلطة التي وصلت حد البغي، واستباحت كل الحرمات، كل المقدسات، كل القوانين... لا حدود لإستباحتها، وهي بذلك تأخذ البلد نحو الكارثة الكبرى، نحو الإنهيار.
هل وصل بهم الأمر إلى المس بالحريات الإعلامية، وكمّ الأفواه ليسلبوا من البلد حق الحريات العامة باسم الديمقراطية الأميركية؟!
ليس عجباً أن يصدر هذا عن ديمقراطية أميركا، فهي باتت تصنع الديمقراطيات في العالم، وتعطي تعريفاً يتناسب مع كل بلد لتشرّع ما يناسب مصالحها في كل مكان، فتقتل باسم الديمقراطية، وتسلب حقوق الناس باسم الديمقراطية، فلا يكون ديمقراطياً إلا من يخنع ويركع عند أعتابها، والآخرون إرهابيون، يجب القضاء عليهم، وأن يحرموا حتى من نعمة الكلام، ويجب وضع قيود على الإعلام!
مهما قيل في عبث هذه الحكومة هو قليل، وقليل جداً، مهما قيل في استهتارها بحقوق الناس وهمومهم قليل وقليل جداً، ولعلّها أسوأ حكومة عرفها تايخ لبنان!
لكن يجب أن أضيف أمراً واحداً يبرّد الغليل وهو أنها حكومة غير شرعية، وغير دستورية، ومصير قراراتها العبقرية هذه لن يكون إلا سلة المهملات، وأنها لن تستطيع أن تخنق شعباً عجزت إسرائيل عن خنقه، ولن تستطيع أن تفرض على هذا الشعب ما لا يتناسب مع سيادته وحريته وحقوقه ولعل الأيام القادمة ستثبت حقيقة ما يجري، ومهما حاولوا فلن يستطيعوا طمس الحقائق. وسيبقى لبنان حراً مستقلاً ولن يكون تابعاً لأميركا أبداً.
ماجدة ريا

Wednesday, January 10, 2007

سيرك القوافي

انبرى فريد، أحد أمراء الشعر إلى ركنه الخاص به من تلك الحجرة الواسعة في المقهى القديم، والتي كان يتوافد إليها الناس لتناول فنجان من القهوة أو كوب من الشاي، والقصد المضمر إما استراحة لبعض الوقت، وإما ملاقاة بعض الأصدقاء، ولكن جزء كبير منهم كان يقصد المكان للتعرف إلى أحوال الناس وما يجري معهم، هناك في تلك الحجرة حيث كانت تلقى المشاكل والهموم وأيضاً يعلن فيها عن المسرات.
أحد لم يجرؤ على الإقتراب من فريد، فهم يعرفون أنه عندما يجلس هناك فهذا يعني أن هناك جمالاً شعرياً سوف يولد، وأن رؤية جديدة قد تتكشف لهم، فقد كانت قصائده تأتي متناغمة، خفيفة الظل، جميلة القول، لكنها كانت دائماً توصيفاً لواقع، منه الجميل ومنه المر، وإن كانت مرارة معاناة الناس المتزايدة لأهل تلك المنطقة باتت طاغية على ما عداها، لكن تجرّع المرارة من كأس الشعر كان لها طعم آخر!
من كان يجلس في الحجرة ويرى فريد قادماً وقد اتخذ مكانه ، كان لا يغادر حتى لو كان مضطراً، بل يلتصق بكرسيه إلى أن ينتهي فريد من تفريغ حمولته الذهنية، حيث يستدير واقفاً ليواجههم، وبيده ورقة تحسبها سيفاً مسلولاً، وإنما يوحي بذلك نبرة صوته الجهورية، التي ما كانت لتتأثر بخوف أو بردة فعل، وما يُرى على وجهه من تعابير لأحرف شعره والتي تحس أنّها تتقافز أمام عينيك كما لو أنك في حضرة السيرك، فكانت بخفتها وجمالها تجعلك تراها كما البهلوانات وهم يتقافزون على الحبال بكل خفة ورشاقة، تراهم في خطر، لكنهم يرون أنفسهم في أمان بخبرتهم، وخفّتهم وقدرتهم على الأداء.
عندما يكون فريد موجوداً لا أحد يخرج قبل الإستماع إليه.
في ذلك النهار، كان فريد يحدّق في الحائط أمامه ، حيث عرّشت عليه تلك النباتات المتسلّقة للجدران، فلم تترك فيه مكاناً يرى، وكانت أشعة الشمس القادمة من النافذة تلمع على الأوراق فتزيدها اخضراراً، وتجعل الثقوب التي بينها متوهجة بأشعتها الذهبية، لتبدو كأنها مرآة تعكس لفريد واقع هؤلاء الناس، فيضع يده على جبينه، ويخفض رأسه نحو ورقته، ولا يرفعه إلا عن قصيدة أسطورية، بدت كأنها من أجمل ما كتب، لكنه احتار إذا ما كان يمكنه حقاً أن يطلق عليها اسم قصيدة! لأنها رغم جمالها وتناغمها فقد كان لكل سطر فيها قافية خاصة به، والقصيدة يجب أن تكون من قافية واحدة.
دقق في قصيدته، هي شعر منظوم، بل من أجمل ما نظم في الشعر، لأنها تحوي ألواناً متعددة ولكنها متناسقة، وتعابير مختلفة ولكنها متآلفة، وقال في نفسه:
"ولمَ لا؟! سأسميها (سيرك القوافي)".
ابتسم في سرّه، والتفت نحو الناس، لأول مرة تمتلىء القاعة بهذا الشكل! وكأنه لم ينتبه لنفسه أنه جالس في زاويته منذ وقت طويل، وأن كل الذين دخلوا لم يشَأوا الخروج قبل الإستماع إليه، بدا في حيرة من أمره وهو يمرّر نظره على كل تلك الحشود وعلى الذين آثروا البقاء في تلك الحجرة ولو واقفين لأنه لم يتبقَّ لهم مقاعد!
رغم الحيرة التي انتابته، كان قوياً لا يهاب من شيء، بل كان يستمد ثقته من عزيمة لا تلين، وبينما هو يشحذ أنفاسه ليبدأ الإلقاء، كانت أصوات الجماهير تتعالى "هيا يا فريد، أسمعنا ماذا كتبت" وعلا التصفيق من قبل أن يبدأ.
هزّ رأسه لهم ورفع يده إلى أعلى ليحييهم وما إن نطق بأول حرف حتى ساد الصمت، وتطاولت الأعناق نحوه، والجميع في حالة انبهار ...
عندما انتهى من إلقاء قصيدته لم يفاجأ بحدة التصفيق وحرارته التي لم يسبق لها مثيل والذي كان يخترق كل الجدر والمسافات، فقد كان في كل كلمة من القصيدة دعوة، وفي كل بيت حركة، وفي كل مقطع أمل بفتح جديد، أما الأصوات التي ارتفعت تردّد "سلمت يا فريد، سلمت يا فريد" فقد كانت تبشّر برسم واقع جديد.
ماجدة ريا
10/1/2007

Monday, January 01, 2007

على الطريق

هدوء هذا الصباح، هنا في الضاحية ينبىء أن كثيراً من الأبنية السكنية آيلة للسقوط، بعد أن سقطت البناية الأولى أثناء هذه الليلة، هي الليلة الرابعة منذ بدء العدوان ، وهي الليلة التي كبّرنا فيها كثيراً وقبضاتنا مرفوعة إلى الأعلى ونحن نرى البارجة الإسرائيلية التي بدأت القصف تحترق في عرض البحر.كنا في الملجأ، حوالي الخمس عائلات فقط، بعد أن غادر معظم الناس إلى أماكن يمكن أن تكون أكثر أمناً.
كان زوجي قد طلب مني ومنذ اليوم الأول أن أذهب إلى القرية حيث أهلي وأقاربنا، لكنني آثرت البقاء معه هنا... في هذا الصباح أعلمني أنه لن يستطيع التنقل، وسيؤدون عملهم من مكان ما، وسيكونون في حالة طوارىء دائمة إلى أن تنتهي الحرب، وأبلغني
"يجب أن تذهبوا إلى القرية، لا مجال للبقاء هنا، اتصلت بأخي محمد وسيأتي ليأخذكم، جهزي ما تحتاجونه، وكوني مستعدة لتغادروا فور وصولهم"
أعطاني مبلغاً من المال، سلّم علينا، وغادر.
على عجل، جهّزت بعض الأمتعة، عندما سمعنا صوت الطائرات، وتجدد القصف، وعلى عجل نزلنا إلى الملجأ مجدداً، حيث كنا قد وضعنا تلفازاً لمتابعة الأخبار، وعرفت أن القصف يتركّز على الطرقات، قصفوا الآن طريق المطار، انتابني شعور لا يوصف من الرعب، الجيران ينظرون إلي ويقولون لي
" ما الأمر؟ أنت التي كانت ترفع من معنوياتنا؟ "
"نعم، أنا جداً خائفة، أخو زوجي وابن أخيه قادمان على هذا الطريق، ماذا لو جرى لهما مكروه بسببي أنا وأطفالي؟!"
بدت لي الفكرة غير محتملة، فبدأت أتوسل إلى الله أن يوصلهما بسلام، لم يبقَ لون في وجهي، والدموع تحجّرت في عينّي، ويداي مفتوحتان إلى السماء...
حاول الموجودون تهدئتي، "إنها مشيئة الله"
" ونعم بالله..."
لحظات مرّت، مريعة بثقلها، وإذا بسلفي ماثل أمامي، وجهه بلا لون، سلّم على الجميع، ابتدرتهما بلهفة
" حمداً لله على سلامتكما"
"سلّمك الله، هل أنت جاهزة؟"
" أجل، لكن لنبقى بعض الوقت علّ القصف يهدأ؟"
اتصل بزوجي وسأله، ثم قال "يطلب منا أن نغادر في الحال"
صعدنا إلى الشقة، أحضرنا الأمتعة، وضعناها في السيارة، التي انطلقت بنا تمخر عباب الريح، قال سلفي لابن أخيه
"اسلك الطريق الجانبية التي لا تمرّ في الضاحية"
"طبعاً"
التفت نحوي وقال:
" هل عرفت أن القذيفة التي سقطت على طريق المطار سقطت أمامنا، ولولا لطف الله وستره..."
" الحمد لله على سلامتكما! لا تتصوّر كم خفت عليكما!"
" الحمد لله"
ولكن هل انتهى الخوف الآن؟! ربما هو بدرجة أقل لأنني الآن أنا معهما، وما يصيبهم يصيبني، هذا يخفف بعض القلق والتوتر ويبقى انتظار المجهول، فالطرقات مستهدفة، هذه الطريق بالذات وهي الطريق الوحيدة المتبقية التي تربط بين بيروت وسهل البقاع باتت مرصودةً، تختار منه طائرة الإستطلاع من دون طيّار " الأم كا" ما يحلو لها من السيارات أو الشاحنات لقصفها... وتبقى الطريق سالكةً لمن يريد أن يخاطر!
كانت الضرورة تحتّم علينا سلوكها، فكان لا بدّ أن نفعل ذلك، ونحن مسلمّون بقضاء الله، حملت بيدي مصحفاً صغيراً وانصرفت إلى تلاوة آياته التي تجعلنا مطمئنين وسط هذا القلق المريع.
اليوم بالذات قصفوا سيارة كانت تتحرك على هذه الطريق، إنه شعور رهيب، أن يكون الإنسان مستهدفاً في حياته دون أن يكون قادراً على فعل أي شيء! عندما يكون المرء في الجبهة ، يقصف ويُقصف، يرمي ويُرمى عليه، يرى أعداءه يُقاتلهم ويُقاتلونه... ويكون وسط معركة حقيقية، يكون هنالك نوع من تكافؤ الفرص في أن تقتل العدو أو يقتلك، ولكن عندما تندسّ كل تلك الطائرات اللعينة الخاصة بالمراقبة والمزوّدة بقنابل للقتل، وأن تسمع صوتها في كل مكان فلا تعرف متى وأين وكيف يمكن أن تغتالك! عدا عن المقاتلات التي ترمي بأطنانها المتفجرة في الأهداف " المدنية" المحددة لها، فهذا ما لا يمكن احتماله.
هو سلاح الجو، وأنا أسميه في مثل هذه الحالات سلاح الجبن والغدر بحياة الأبرياء والآمنين، ويبقى الإيمان بالله كبيراً، فإما أن ننجو، وإما أن نستشهد، وقد رضينا بكل ما يأتي من الله عز وجل.
وصلنا إلى القرية، بعد حوالي الساعة والنصف من حالة التوتر والترقّب، خرج الأهل إلى الطريق لملاقاتنا، كما لو أننا جئنا من السماء، كان الجميع يسلّم علينا بحرارة ودموع الفرح ترتجف في العيون.
هو مشهد من مشاهد الثلاثة والثلاثين يوماً من حرب تموز على لبنان.
ماجدة ريا

Wednesday, December 27, 2006

وقاحة

يرمي بطرفه إلى عقارب الساعة
وبطرفه الآخر نحو الساحة
حشود جاثمة على قلبه
فيتمنى لو يتخلّص من نبضه
وخزٌ كالإبر تحت جلده
يكاد يفقده رشده
فهو ليس منهم، وهم ليسوا منه
فهل تصلح فيه صفة الحاكم؟
أهم جاثمون على صدره؟!
أم هو على قلوبهم جاثم؟!
يتعلّق بوفد ذاهب ووفد قادم!
فيستلهم منهم ما في الكون من وقاحة
ويعلن أنه ليس هناك للدستور
أو الميثاق أي استباحة!
وأن حكومته لا تكترث لما يجري
وهي جدٌ مرتاحة!
فهل هناك بعد هذه الوقاحة وقاحة؟!
فيا من جلست في سرايا الشعب
متجاهلاً كل هذا الغضب
وظننتَ أنك امتلكت ما أُعطيت من لقب
ماذا عساي أقول إلاّ
يا عجبي من هذا يا عجبي
ألا تخشى أنك بهذ الغضب ستُحرق؟
أوترتاح عندما هذا البلد بالدماء يغرق؟
ألا تعرف أن السفينة بكل من فيها تغرق؟!
أم تنتظر وأتباعك من أميركا قوارب النجاة؟
صدّق..
أنه لا نجاة
للظالمين العتاة.
ماجدة ريا

Tuesday, December 12, 2006

المشهد الآن!

لايصدّقون
أن عطاءنا ليس له حدود
أننا نحن من يخط رسم الوجود
فالريشة بيدنا
الأرض أرضنا
والسماء سماؤنا
وكل الأدوات في تصرّفنا
لكن ليس هذا ما لم يصدّقوه!
وإنما أدهشهم الإبداع الذي يغمر أرواحنا
وهو هبة من رب العباد
كريم، وعلى من استعطاه جواد
تمنّوا أن لا يرَوا ما يرون
وأن يختـفي هذا الأمر من حياتهم
دون كيف أو لماذا!
ولكن هيهات، هيهات
فالدنيا لا تصنعها الأمنيات
بل هي مع الزمن وقفات
فهلاّ أرشدتمونا إلى وقفة لكم؟
بلى تذكرت....
وقفة الذّل والعار في ثكنة مرجعيون
والإنحناء أمام بني صهيون!
ياه!... يا لها من وقفة لا تنسى
طعمها مر كالعلقم
فأين نحن؟
وأين هو صاحب الطرح المستسلم؟!
وبعد كل هذا لا عجب إن دهشوا!
فأنىّ لهم أن يدركوا ما ندرك؟
وأنى لهم أن يشعروا بما يجري؟!
فقد تبلّد فيهم الشعور
لا بل قد مات
داسته أميركا بنعلها
ووضعت شخوصهم في جيبها
وأقفلت عليهم الرباط
فلا هم يستطيعون من قبضتها الإنعتاق
ولا يستطيعون مع شعبهم الإلتصاق
حفظوا كلمة: رئيس الحكومة باق باق
ليرددوها أمام الأجنبي وفي كل رواق
والأروقة غصّت بشعب ملّ سلطة الإرتزاق
شعب يصرخ في هذه الحكومة ارحلي
كفاكِ ظلماً وتبجّحاً وعن شعبك لم تسألي؟
أما آن لك عن العرش المسروق أن تنزلي؟!
إذا كنت قد أضعت طريق النزول
فهذا الشعب قال كلمته وسيقول
سنرميكِ في غياهب المجهول
لستِ حكومتنا!
لسنا منكِ ولست منا!
فلسنا شعب يرضى بالخضوع
ولو تحوّلنا جميعاً إلى شموع
فنحن شعب يصنع التاريخ.
ماجدة ريا

Sunday, November 26, 2006

الواقع العجوز

تتدافع الأفكار في رأسها كما الريح العاصفة، تُقلّب هذه، وتنظر في تلك، وترى طموحها يتجسّد أمامها عملاقاً مارداً، لكنه ليس المارد الذي يقول " شبّيك لبيك، عبدك بين يديك!..."
وإنما مارد يزمجر، أن "ساعديني كي أكون.." ردّدي العبارة التي علي أن أقولها، فتحقّقي إمكانية وجودي.
تجلس هادئة لهنيهات، تحسبها دهراً تعدّ فيه أنفاسها اللاهثة، تفكّر في الواقع الذي يحيط بها، وتتوقف طويلاً... فهو ليس واقعها وحدها، إنه واقع جيل الشباب.
وتجول في مخيّلتها، تتأمّل صور الواقع وقدراته العجيبة في تأثيره على البشر، وهي في تأمّلها، تسمع دقّات يد مرتجفة على بابها، وتتساءل في نفسها:
" من تراه يكون؟!"
نهضت من مكانها، مستجمعة جرأتها وثباتها، فتحت... وتسمّرت عيناها على الماثل أمامها.
عجوز متعب، يتّكأ على عصاه، ويرمقها بنظرات استجداء ورحمة، وبينما هي تقرأ ملامح وجهه، قرأت اسمه الذي حفر على جبينه "الواقع"...
للحظات دبّ الرعب في قلبها اليانع، وحارت فيما تراه، عادت آلاف الأفكار تتقافز إلى رأسها " أيمكن أن يكون هذا هو الواقع؟ عجباً!..."
وبصوته المرتجف ذكّرها بوجوده قائلاً:
"" ألا تسمحين لي بالدخول يا صغيرتي؟! إنني متعب."
" عفواً تفضّل..."
افسحت له المجال متراجعة إلى الوراء، فدخل وألقى بنفسه على أول مقعد صادفه، ولبث ينظر إليها ويتأملها وقد ظهر على ملامحها مزيج من الأحاسيس المكلّلة بالخوف والحزن معاً، وما لبست أن حرّكت شفتاها ببضع كلمات:
"كنت أسمع عنك أشياء كثيرة، ولم أتصوّرك هكذا؟!"
" صحيح يا صغيرتي، فقد أرهقتني الحرب، واستنفدت مني كل ما أملك، ولم يبقى بحوزتي ما أقدّمه لكم أنتم الشباب، ولشدّة همي وحزني شخت باكراً".
" ماذا تعني أيها الواقع؟!"
" لا أريد أن أصدمك، ولكن..."
" ولكن ماذا؟!"
كانت تترقب خروج الكلمات من شفتيه المرتجفتين، وكأنها تنتظر ولادة خبر مبشّر، أو على الأقل خبراً يزيل قلقها وخوفها منه...
" عليك أن تخدميني كثيراً، قبل أن تصلي إلى ما تريدين."
" وإذا لم أفعل؟!"
" مع كل أسف، لن تحقّقي شيئاً بدون مساعدتي، وأنا أحتاج لمن يساعدني كما ترين!"
كانت نظراتها الحائرة تلاحق قسماته بكل أسى وهو يستطرد قائلاً:
" الحياة سيوفها حادة، والصراع معها عنيف، وتحتاجين للمواجهة لدرع واق، وإلا فلن تصمدي أمامها طويلاً... وعندما تساعدينني، سأوأمّن لك هذا الدرع."
أعطته إشارة الموافقة، وشرعت تتأمله بهدوء، لترى ما يمكن أن تصلح فيه... عصرت أفكارها، واتخذت قرارها بأن تبذل جهدها إذ لم يكن لديها الخيار، سوى الإهتمام بهذا الواقع العجوز كي تعيده فتياً، فهل تفلح؟ .
ماجدة ريا

Sunday, November 19, 2006

النصر آت ثانية

سيد المقاومة، أنهى بهذه الكلمات، وبصدقيته المعهودة، وثقة لا يصل إليها أحد غيره: " كما وعدتكم سابقاً بالنصر، أقول النصر آت"
ها هي يا سيدي أصوات المفرقعات ترتفع عالياً ابتهاجاً بوعد يدرك الجميع أنك إن تلفظت به سيكون...
نعم... قلت سابقاً "ما عجز الصهاينة عن أخذه في الحرب والله لن يأخذوه بالسياسة" قلت وأنت الصادق في قولك دائماً، والجميع يعرف ذلك.
نحن جميعاً رهن إشارتك سيدي، إلى التغيير الذي لا بد منه، إلى إحقاق الحق، إلى إسقاط حكومة السفير فيلتمان في لبنان...
لبنان المقاومة، كما انتصر في الحرب، سينتصر في السياسة، نعم سينتصر.
دائماً، يأتي كلامك بلسماً لجراح هذا الشعب الذي تمعن قوى السلطة في إيذائه، وإيلامه دون تهيب..
يأتي كلامك درراً يخرس الأعداء، ويبرّد قلوب الأصدقاء.
يأتي كلامك سيدي حِكَماً وعقلانية ووطنية ، فلا تغيب عنه شاردة ولا واردة إلا ويجلي حقيقتها، ويرد غيّ الباغين على أنفسهم، ليرتدّ مكرهم على أنفسهم الضعيفة، المؤتمرة بأوامر السفارات الأجنبية، والمنحنية عند أعتاب الولايات المتحدة الأميركية.
نعم لقد آن أوان التغيير ... ونحن جميعاً تحت رايتك، ليبقى اسم لبنان برّاقاً مشرقاً ، عنواناً للمقاومين والأباة والأحرار في العالم.
كتبت هذه الكلمات ولا تزال أصوات المفرقعات تدوي ابتهاجاً لسماع صوتك الغالي وقراراتك التي تسمو دائماً فوق كل الجراح، وتسعى دائماً لردم صدع ابتدعته قوى السلطة ولا تزال بأيادً لبنانية وسياسات أميركية.
رسمت خطوطاً للمرحلة المقبلة وللتحرك الذي لا بد منه، فكانت خطوطاً من نور، وأنت تطلب من الناس الصبر على الأذى كي لا ندخل البلد في دوامة يريدها له هؤلاء الضعفاء.
انشاء الله نكون عند حسن ظنك سيدي كما كنا دائماً..
فهكذا هو شعب المقاومة، شهم، محب، صبور وغيور على مصلحة الوطن، ومستعد لتلبية نداءات الشرف التي تطلقها ولسان حال الجميع "لبيك يا نصرالله
ماجدة ريا".

Thursday, November 16, 2006

الفقير والقدر

أنا أريد أن أكون
نفض عنه غبار آلامه، ورمى بطرفه إلى تلك الأوراق المرمية أمامه على الطاولة.. الخشبية الصغيرة، جمّعها، ثم بعثرها من جديد وهو يقرأ إمضاءه في أسفل كل منها " أنا أريد أن أكون.."
جملة لم تغب عن أوراقه...أبداً. وبينما تلك الأوراق تترجرج بين يديه، تناول من بينها ورقة غريبة عن أقرانها، لكنها ليست غريبة عنه أبداً... فهو من رسمها، وحدّدها بأدق تفاصيلها... بعناوينها الكبيرة والصغيرة، رسمها بريشته المكسورة، وأوراقه المجموعة من هنا وهناك... بيديه الباردتين كجليد أيامه التي يعدّها يوماً بعد يوم... رسمها بنيران فكره المتوّقد الذي لم تهدأ حرارته يوماً..
تأمّلها، إنها شخصيته، أشار إليها بسبابته، وبنظرات ثاقبة كالصقر كأنه في تحدّ مرير "نعم، هكذا أريد أن أكون..."
شيء كالبرق يلمع أمام وجهه، يبهره، يغمض عينيه بشدة كحركة تلقائية لذلك اللمعان المفاجىء، ويفتحهما مسرعاً ليستكشف مصدر تلك القهقهات العنيفة، ولكن قبل أن يتسنّى له رؤية أي شيء، يشعر بسخونة الدماء تسيل منه... كتم في قلبه صرخة ألم حادة لأنه لو أطلقها لأذهلت كل أثرياء الأرض فمادت بهم، لكنه لم يستطع أن يمسك دموعاً غزيرة انهمرت في صمت، رفع عينيه في الماثل أمامه ليتعرّف على غريمه، وما لبث أن تساءل بذهول
" أيمكن لنا أن نرى القدر؟"
ويجيبه الماثل أمامه مستهزئاً
" نعم، أنا قدرك هل تراني؟"
ضمّ جرحه بيده، ورفع في وجهه نظرات ملؤها التحدّي، هزّ رأسه وهو يقول
"لا أحد يفرض عليّ قدري، أنا أصنع قدري بيدي.."
" ماذا قلت؟!"
" قلت أن ضرباتك لا تخيفني، ولا تثبط عزيمتي، ومهما حاربتني، أنا سأكون أنا، كما أريد أن أكون..."
"خذ إذاً.."
وانهال عليه ضرباً بسيفه، فكان يتّقي الضربات العنيفة بصدره ومرفقيه، يصارع نوبات الألم في تحدّ رهيب، إلى أن شعر أنه في غيبوبة كالحلم، استفاق بعدها على هدوء أشبه بالسكون الذي يلي عاصفة مليئة بالعويل... نظر إلى جراحاته العميقة، فإذا بها قد اندملت، تحت عضلات صلبة، متينة، لا تخترقها السيوف، ها هو قوياً كما أراد أن يكون، ابتسم في سرّه وهو يردد
" أجل نحن من يصنع القدر."
ماجدة ريا

أين أصبحنا؟

استقال الوزراء المنتمون إلى خط المقاومة، واستمرّ فريق الأكثرية في اتخاذ قراراته وكأن شيئاً لم يك
وبعد جلسة خائبة، وصفها رئيس الحكومة بالتاريخية، بدت الأمور أكثر وضوحاً، وأن الآتي يجب أن يكون بمستوى الحدث. ولا بد أن تكون هذه الجلسة تاريخية لكن لكل بمفهومه ومنطقه للأمور...
كان من الواضح ومنذ البداية ما يريد فريق الرابع عشر من آذار، وأن التوصيات الأمريكو صهيونية لا تنازل عنها حتى آخر رمق، لكن جميل أن يلفظوا رمقهم الأخير وهم يبتسمون... نعم ترى ابتساماتهم العريضة فتدرك أنهم يضحكون على أنفسهم، ويظنون أنهم سيطروا أو يستطيعون السيطرة!
ويتشدّق أحد قادتهم بالقول أن الربح في الحرب هين أما في السياسة فهو غير ممكن! ونسي بإنه هو إبن البارحة بالسياسة، وأن باعه فيها قصير جداً... وأن من يلقّنه ذلك والذي فشل في الحرب هو أعجز من أن يملي شروطه على أحد.
المقاومة!.... انتصرت... وهي تتلقى في قلبها النصال ممن تخاف عليهم وتريد لهم الخير، ولا زالت، تمد يدها لأبناء الوطن الواحد، وتفتح قلبها المطعون، وصدرها برحابة إلى هؤلاء الذين لا ينفكون يبحثون في كل لحظة عن أي شيء يمكن أن يحقق لهم مكسباً... يظنون أن التواضع ضعف، أبداً لم ولن يكون ضعفاً... إنما يحتاج للظلم الضعيف، والمقاومة ليست ضعيفة أبداً وقد هزمت أعتى قوة على وجه الأرض، وإن كانت قد صبرت على هؤلاء، فإنه الصبر الجميل على أناس لا زالت تعتبرهم من أهلها رغم كل الطعنات القاتلة التي يوجّهونها إليها ولا زالوا... ومع ذلك لا زالت تصبر لكن هذا لا يعني أبداً أنه يمكن تمرير أي مخطط أميركي أو غربي من خلال لبنان مهما فعل هؤلاء ، مهما قرروا قرارات باطلة، مهما استأثروا بسلطة لم يستحقّوها يوماً، بل سيسجل التاريخ أسماءهم على صفحات سوداء مليئة بالعار... إذ لم يشهد لبنان حكومة متسلطة ومتآمرة أكثر من هذه الحكومة، وقد بلغ بها الغي أن تعلن مؤامراتها دون خجل!
بعد كل المآسي التي تعرّض لها شعب المقاومة، بعد كل تضحياتهم، نرى ان البعض يريد أن ينقضّ على كل ذلك، غير آبه بشيء سوى بمصالحه الضيقة الآنية، لكننا نبشرهم بأن أحلامهم واهية، وأن ذلك لن يكون، وأن ما يحصل منهم الآن ليس سوى حشرجات الموت القاسي، لأنهم ربما لا يستحقون الفرصة التي أتيحت لهم للبقاء والتوافق مع الآخرين لما يحمي البلد ويؤمن مصلحته، لأنهم تسببوا بالأذى المادي والمعنوي للكثير من الناس الشرفاء ، ووزر ذلك باق في رقابهم ، يثقل أعناقهم المغلولة للغرب، ويمنعهم من فرص الخير التي لا يستحقونها. وليأتِ التغيير الذي طالما انتظرناه، وليعد لبنان كل لبنان مقاومة، ولتقبع تلك الشرذمة في غياهب التاريخ، هناك حيث كانت قبل أن تستولدها أمريكا وتضخ فيها دورة من الدم الفاسد الذي يبدو أن مفعوله قد انتهى، وآن للحق أن يظهر، وأن يأخذ كل امرىء ما يستحق من هذا الوطن، فلبنان كل لبنان يأبى إلا أن يكون وجه العروبة المشرق، وعاصمته ستبقى عاصمة المقاومة الأبية.
ماجدة ريا

Sunday, November 05, 2006

الغريب

رفعت وجهي إليه، أحدّق بالشحوب الذي اعتراه، وتكوينات وجهه التي تقلّصت، ما الذي حدث في القرية يا ترى؟! ما الخبر الذي يحمله؟ ضاقت عيناي وأنا أعدّ أنفاسي بانتظار ما سأسمع، واستعجلته في الحديث "ما الأمر؟!"
كان من عادته أن يبقى في زيارته لوالده الكبير في قريتنا البعيدة حتى الظهر، ولكن أن يصل في هذه الساعة المتأخرة، فلا بد أن شيئاً ما قد حصل.
انفلتت الكلمات من بين شفتيه بكل ما يمكن أن يحمل الهدوء من ألم: "عاطف أصيب بحادث"
"عاطف؟! وهل الأمر خطير؟"
صمت ثقيل ساد للحظات، ولا زالت نظراتي تلاحق تقاسيم وجهه المتجهّم "ماذا أصابه؟!"
"لقد... مات"
وكأني بي قد تجمّدت، فلا أقوى على الحراك، لحظات ثقيلة أخرى، تبعها انفجار في البكاء..
سرعان ما برزت صورته في مخيّلتي.
إنه ابن عمي، وابن عم زوجي، غاب سنوات طويلة في "بوسطن" في أمريكا قبل أن يعود إلى أحضان الوطن، ما زلت أذكر بوضوح ابتسامته العريضة التي لم تكن تفارق ثغره، وعينيه الحالمتين اللتين ترى فيهما حلم الكبار وبراءة الصغار رغم أنه ناهز التاسعة والأربعين من عمره، أما عطفه وحنانه على الجميع فلا ينضبان، وكأنه استمدّ من اسمه كلّ عطف الكون، وتردّد صدى كلماته في أذني "سأعود إلى لبنان لأستقرّ فيه بقية عمري، وأفتح شركة تأمين هنا، يكفي غربة، أريد لابني أن يعيش في وطنه..."
" يا الله!... كم كان مزهواً بنفسه، مقبلاً على الحياة..."
" إنه قدره!"
" كان سيعود من أمريكا في 5 تموز أليس كذلك؟"
" فعلاً كان قد حجز لعودته..."
" سبحان الله!... أي حادث هذا ؟"
" كان في حفلة توديع مع رفاقه هناك في مزرعة لصديقه، وأثناء تحليقه بطائرة شراعية وقع منها نتيجة عطل فني."
" يا إلهي!"...
كانت أمه موجودة معه في الحفل، وزوجته الأميركية وابنه، لكن أمه لم تستطع تحمل الأمر، ونُقلت فوراً إلى المستشفى. إنها صدمة قوية بعد حياة مليئة بالمتاعب، أما هنا فقد كانت صدمة الناس فيه كبيرة، بعد أن أعدّوا العدّة لانتظاره، ولسان حالهم يقول "ليتنا لم نُعد التعرّف عليه!... كان مميزاً في سفرته الأخيرة إلى الوطن في طريقة تعاطيه مع الجميع".
سريعاً كانت العودة إلى القرية، الوجوم على الوجوه، والحرقة في قلوب كانت تنتظر الحيوية التي رسمت صورته في أذهانهم، فإذا بالجمع يستعد لتلقي الصدمة تلو الصدمة.
كان إعلان الوفاة في الصحيفة الرئيسية في البلد يقول إن موعد الدفن يحدد بعد عودة الجثمان، ولكن ما حصل كان يكفي ليجعل من هذا الإعلان.. مجرد حبر على ورق.
الجثمان الذي ذهب أخواه إلى هناك من أجل إحضاره.. لم يعد.
لقد رفضت الزوجة أن تتخلى عما بقي لها من الشخص الذي أحبته بصدق: أنتم لديكم ذكرياتكم معه، ولديكم أهله وصوره، أما أنا فماذا سيبقى لي إن أخذتم جثمانه؟ اتركوه لي، فأنا سأزور الضريح لأضع عليه الورود كل يوم..."
هو يحمل الجنسية الأميركية ومتزوّج من أميركية وبالتالي يطبّق عليه قانون تلك البلاد فكان لا بد من الإنصياع لرغبتها تلك.
وكانت الجملة الأكثر ترداداً على الشفاه: "مات في الغربة، ودفن في الغربة..."
كان الجمع المنتظر في قريته يتساءل: "كيف سيدفن هناك؟ هذا ظلم! يجب أن يعاد إلى مسقط رأسه ويدفن بين أهله!...من سيقيم عزاءه هناك؟!"
والجواب جاءهم سريعاً عبر الصحف الصادرة في مدينته، والتي لم تتأخر في تخصيص مقالات عديدة عنه وعن مآثره...
لم يكن غريباً! لم يمت غريباً!...
"رجل الخير" كان لقبه، كل يوم كنا نكتشف باباً من أبواب الخير التي كان يقوم بها.. كنا نعرفه طيباً، محباً، عطوفاً، خيّراً... أما صدقات السر، والمشاريع التي كان يعد لها، فقد فاجأت الجميع.
المساجد التي شارك في بنائها، وكان آخرها مبنى كاملاً اشتراه على حسابه ودفع من ثمنه الدفعة الأولى ليكون مسجداً، والمساهمة في جمعيات لدعم المشرّدين وإطعام الجائعين.. هي بعض إنجازاته، حتى قيل عنه إنه لم يترك متشرداً واحداً إلا وسعى لتأمين مسكن له في مدينته تلك.
لم يكن غريباً، ولا وحيداً، فقد أتى إلى جنازته القاصي والداني من تلك البلاد، وفوداً وعائلات، وأمه وأخوته وحتى زوجته فوجئوا بهذا الحشد من البشر، وبهذا الكم من الفجيعة لدى هؤلاء الناس الذين أسهبوا في ذكر مساعداته وتقديماته، والجميع يبكيه ويطلب له الرحمة.
لم يمت غريباً، وإن كان قد دفن في بلاد الغربة، فروحه ترفرف في كل مكان.
ومع كل ذلك، يوم العيد كنت أنظر بألم إلى أمه التي وقفت عند مدافن العائلة، لم تجد قبراً تركع عنده لتبكيه بقربه، وضعت صورته على قبر أبيه وهي تقول: "يا ابني، يا غريب!"
ماجدة ريا

Monday, October 16, 2006

محمد والعصافير الصغيرة

تصحو أم محمد كل صباح على زقزقة تشعر معها أنها داخل مزرعة للعصافير لكثرتها، تذكر تماماً اليوم الأول الذي استوطنت فيه تلك المجموعة الكبيرة من العصافير الصغيرة الحجم في الشجرة الضخمة التي تنتصب بالقرب من منزلها. في ذلك الصباح الباكر، عندما هبّت من فراشها إثر سماعها تلك الزقزقة التي، وإن بدت كسمفونية جميلة، تعلو وتحتدّ من وقت لآخر، خرجت إلى الشرفة تتلفّت إلى مصدر الصوت، ورأت ذلك المنظر... العصافير الصغيرة تتطاير في كل اتجاه، تدور، تطير، تعود... كانت تحاول أن تستجمع ذلك المشهد في صورة تحفظها لتنشط بها ذاكرتها من وقت لآخر.
رأت محمد ابن التسع سنوات وقد صحا ، وهرع ليقف إلى جانبها، يراقب معها ذلك المشهد، ويسمعها وهي تتمتم "سبحان الله الخلاّق العظيم!"
" سبحان الله يا أمي ما أجملها... أصواتها قوية جداً؟ لعلّها تسبّح الله مثلنا؟!"
" كل شيء يسبّح الله يا بني!"
وبعد ذلك، دأبت كل صباح على الاستمتاع بهذا المشهد إلى أن كان ذات يوم، وعت على صمت رهيب، شعرت أنها تفتقد شيئاً ما، أصغت بأذنيها علّها تسمع ما تسمع كل صباح... إنه الهدوء التام! لم تدرِ ما الذي أخافها في ذلك الهدوء، خرجت إلى الشرفة، ركّزت في الشجرة وانتظرت أن ترى أي عصفور يطير هنا أو يحط هناك!.. دون جدوى..
وتساءلت في سرها، أين ذهبت كل تلك العصافير؟ ولمَ أشعر بكل هذا الإنقباض لفقدانها؟
حتى محمد الذي بدا حائراً وهو يقف إلى جانبها، سألها وقد ترقرقت عيناه بلمعة الدموع "أين ذهبت العصافير يا أمي؟"
" لا أعرف يا بني! لكن ربما تعود"
مرّ ذلك النهار متثاقلاً، ولم تستطع أم محمد أن تتخلص من شعورها بالانقباض الذي سيطر عليها منذ الصباح، أما محمد فقد خرج ليلهو مع أقرانه أمام المنزل، وكان الوقت عصراً.
وفجأة، علا ضجيج في الحي، فاقترب محمد ورفيقاه من مصدر الصوت، حيث توقّفت آلية تابعة لقوى الأمن جاء عناصرها لهدم بعض مخالفات البناء، وقف محمد مذهولاً وهو يرى أن الشجار يتطور بين جيرانه، ورجال قوى الأمن، ولم ينتبه للهرب، بل كان ينظر إلى ما يجري حوله بغرابة ودهشة، وسرعان ما بدأ الرصاص يتطاير في الهواء ويختار بعض منه أن يرسو في جسده البريء، واحدة في الأذن وأخرى في الظهر...
نقل إلى مستشفى قريب على وجه السرعة، لكن عمره لم يمهله سوى دقائق قليلة، استذكر فيها عصافيره الجميلة، وشعر بروحه تتحوّل إلى عصفور صغير تلحق بها... لكنه عصفور حر طليق في جنّات واسعة.
وأدركت أم محمد عندها أن كل ذلك الإنقباض الذي شعرت به ما هو سوى مقدّمة بسيطة لما هي مقدمة عليه، وأن ذلك الفراغ والافتقاد لتلك العصافير هو افتقاد يسير أمام افتقادها لمحمد، فلا الألم يكفيها، ولا الدموع ولا أي شيء يمكن أن يطفىء تلك الجمرة التي سقطت في القلب، سوى ذكر الله وصبر منه يتحنن بهم عليها، لكن هذه الجمرة باقية في الأعماق كلما خطر في بالها طيف محمد.
وأدركت أن تلك العصافير لن تعود ، كما محمد.
ماجدة ريا

من يحمي الطفولة

الضحية الأولى للحروب: من يحمي الطفولة؟

تَذكُر الطفولة، فتَذكُر معها الرقّة والمحبة والبراءة وغيرها من المشاعر الإنسانية النبيلة التي تغذّي روح الإنسان. الطفل، هذا المخلوق الضعيف، يحتاجنا في كل شيء، لذا ما أن يولد حتى تتلقّفه رعاية أبويه أولاً، ومن ثم مجتمعه ووطنه. نعم إنه يحتاج إلى الرعاية فهو لا يستطيع أن يتدبّر أموره، فأي نوع من الرعاية هذه التي يحتاجها الأطفال؟ وهل نال الأطفال حقوقهم؟
تبرز هنا اتفاقية حقوق الطفل الدولية التي تعتبر من الأمور المهمة في مجال إنجازات حقوق الإنسان والتي وضعت في 20 نوفمبر/ت2 1989 ودخلت حيّز التنفيذ عام 1990 بمصادقة الكثير من دول العالم، ومن بينهم لبنان الذي وقع على هذه الإتفاقية عام 1991.
تضم هذه الإتفاقية 41 مادة ـ إضافة إلى مواد أخرى تتحدّث عن كيفية تطبيق هذه الإتفاقية ـ وقد سعت إلى حفظ حقوق الطفل، بدءاً من حقه في الحياة وضرورة المحافظة على حياته، وضمان كافة حقوقه التي يحتاجها للإستمرار في حياة كريمة، فتوجب تأمين الرعاية بشتى أنواعها الجسدية، الروحية والفكرية والإجتماعية والقانونية... وحمايته من أي تعسّف يمكن أن يقع عليه، كما أعطته الحق في التعبير عن نفسه، واحترامه ومنع تعرّضه للأذى.
ومن أجل متابعة تنفيذ هذه الإتفاقية، ألزمت الحكومات التي صادقت عليها بتقديم تقارير عن تنفيذها لها مرة كل خمس سنوات، وتنظر في هذه التقارير لجنة حقوق الطفل، الأمر الذي يؤدي إلى تحسين أوضاع الأطفال المنتمين إلى هذه الدول مع تنفيذ بنود الإتفاقية.
وعملاً بمتابعة تنفيذ هذه الإتفاقية شُكِّل في لبنان المجلس الأعلى للطفولة عام 1994 من مُمثّلين عن القطاعين الحكومي والأهلي للسهر على آلية التطبيق.
وقد أعلن لبنان في التقرير المقدّم للجنة حقوق الطفل أنه حقق الأهداف الموضوعة في القمم العالمية للعام 2000 ، لكن لا تزال هناك ثغرات في بعض الميادين ولا سيما غير القطاعية منها، ولكن بشكل عام حقّق تقدّم فعلي في ميادين أساسية مقارنة بالدول ذات الأوضاع المشابهة، واعتبر التعاون بين القطاعين الحكومي والأهلي من العلامات المميّزة.
ويمكن القول أنه تمّ تسجيل تقدّم ملحوظ بإعطاء أولوية للإهتمام بقضايا الطفولة في القطاعين العام والأهلي وتوفير البيانات الإحصائية من أجل وضع خطة استراتيجية وطنية شاملة للطفولة.
وهنا لا بد من التوقّف طويلاً أمام الحروب التي شنّتها "إسرائيل" على لبنان خاصة القوية منها كالذي حدث عام 1975، 1982،1993، 1996، والحرب الأخيرة في شهر تموز/ يوليو الماضي والتي تعتبر من أعنف وأشرس الحروب التي خيضت ضد لبنان من قبل العدو الإسرائيلي.
هذا العدو لا يحترم عهوداً ولا مواثيق، ولا يكترث لحق الطفولة في الحياة، وعن أي حقوق يمكن الحديث بعد أن ينتزع حق الحياة من الطفل؟! وماذا تنفع اتفاقية الطفولة عندها؟!
هذا العدو تعمّد قتل الأطفال وأمهاتهم دون رحمة، ودون أن يستوقفه مثل هذا الإنتهاك الصارخ لحقوق الطفولة، ولحقوق الإنسان، والشواهد على ذلك كثيرة ومثبتة، حتى في مجزرة قانا عام 1996 التي ذهب ضحيتها العشرات جلّهم من الأطفال والنساء، كان العدو يعلم بوجود هؤلاء في المكان الذي تعرض للقصف، وفي حربه الأخيرة كان استهداف المدنيين ـ وخاصة الأطفال ـ ثابتة واضحة في سياسته الإجرامية، فأين هو حق الطفل؟ ومن الذي يحمي الطفولة من مثل هذه الإنتهاكات الفاضحة؟!
وأنتقل هنا إلى نقطة لا تقل أهمية عن قتل الأطفال أثناء الحرب، وهي مسألة الألغام والقنابل العنقودية ( المحرمة دولياً أيضاً) التي نشرها العدو في أرض جنوب لبنان، والتي كانت ـ قبل الحرب الأخيرة وازدادت بشكل خطير بعدها ـ تحصد أرواح الكثيرين من الأبرياء، جلّهم من الأطفال، ومن لا يستشهد منهم بفعل هذه الألغام والقنابل فإنه يتعرض للإصابة بالإعاقة.
وإذا كان التقرير الذي قُدّم للجنة حقوق الطفل قد أشار قبل حرب تموز/ يوليو إلى أن لبنان لم يجتز بالكامل تأثيرات الحرب السلبية على مستوى المعيشة، وعلى توازن الموازنة العامة وأولويات إعادة الإعمار وهذا كله من شأنه أن يترك بالغ الأثر على أوضاع الأطفال بشكل كبير من حيث مستوى الموارد المتاحة، بأولويات تخصيصها وتناسبها مع حجم الإحتياجات، فكيف هو الوضع بعد هذا العدوان السافر والذي تركز من أيامه الأولى وحتى النهاية على استهداف المدنيين والأطفال وبيوتهم ؟ ماذا نقول عن طفل يبحث في ركام منزله عن صورة له، أو عن لعبة، أو عن كتاب؟ أو ذكرى حميمة؟!!
إذا كانت الأمم المتحدة ـ المفوضية السامية لحقوق الإنسان وصندوق الأمم المتحدة للطفولة ( اليونيسيف) ومنظمة الصحة العالمية ـ تسعى لوضع دراسة تطلب فيها من الحكومات وضع استراتيجيات ترمي إلى الوقاية من جميع اشكال العنف ضد الأطفال، ومكافحتها بصورة فعّالة، وإبراز الخطوات الواجب اتخاذها على المستوى الدولي من أجل توفير الوقاية والحماية والتدخّل والتأهيل وإعادة الإدماج، فهل سيكون هناك ما يحمي الطفولة من العنف الذي يقع عليها جرّاء الحروب؟ وهل تستطيع هذه الدول أن تفرض في المستقبل على دول لا تحترم المعايير الإنسانية كـ "إسرائيل" ما يحمي الطفولة ـ اللبنانية والفلسطينية أيضاً ـ من الأذى؟
وهل تستطيع هذه الدول أن تمنع "إسرائيل" من استعمال الألغام الأرضية والقنابل العنقودية والتي هي محرّمة دولياً أصلاً والتي غالباً ما يكون ضحيّتها الأطفال؟
أم أن حقوق الطفل ستبقى مهدورة، بالرغم من وجود كل تلك الإتفاقيات الدولية، وبالرغم من بلوغ العالم هذه الدرجة من التحضر، فلا يحول ذلك دون أن نرى المجازر والإنتهاكات ترتكب بحق الأطفال في أكثر من مكان، وليس في لبنان وحسب؟
من يحمي الطفولة؟

ماجدة ريا ـ لبنان
هذا المقال نشر في مجلة "المسار" التي تصدر عن جامعة السلطان قابوس ـ عمان
العدد (88) 20 سبتمبر 2006

Thursday, October 12, 2006

الألم المؤذي

لكم أحببت هذا الوطن... إنه لبنان
وأحببته أكثر وأكثر لأنه مساحة صغيرة، جمعت الكثير من الأديان والإتجاهات، ومكّنت لنا أن نتعرّف على كل ذلك، ونتعايش معهم في حب وأخلاق.
القلوب المفتوحة تبقى مفتوحة للجميع وإلى الأبد.
إذا كنا نحب أخوتنا في الإنسانية، في أي مكان كانوا، وإلى أي بلد انتموا، فلنتلاقَ معهم على أننا بشر، نحترم انتماءاتهم ووجودهم، وليكن الحوار معهم على أساس القاعدة القرآنية: "وجادلهم بالتي هي أحسن".
ويصبح لدينا قاعدة مشتركة، فنتحابب كأخوة في الدين، كمسلمين في كل مكان، تجمعنا رسالة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الكرام، فإذا كان علينا أن نراعي الناس لإنسانيتهم، فكيف عندما يصبحون إخواناً لنا في الدين الحنيف؟
وتزداد قاعدة الإشتراك اتساعاً، عندما نشترك في الدين، وفي التارخ واللغة فنسمّى عرباً، ليكون هذا حافزاً أكبر لنجتمع عنده، ونتّحد، ونتحابب في الإنسانية أولاً، وفي الدين، وفي الأمة..
ونحصر أنفسنا أخيراً في وطن صغير، له علينا حقوق الوطن، ولنا منه رعاية المواطن، ولا بدّ هنا أن تكون مساحة الحب والأخوة قد ازدادت اتساعاً، والمصالح المشتركة التي تجمع أبناء الوطن الواحد...
ولكن... الويل، ثم الويل لنا عندما نحصر أنفسنا في دواخلنا وذاتيتنا الضيقة، والمصالح الشخصية الأضيق، فلا نرى كل تلك الأشياء الجميلة التي تجمعنا بالآخر.
الويل ، ثم الويل لنا عندما تنقسم المصالح المشتركة لتتحوّل إلى انقسام فظيع، أقل ما يمكن أن نقول فيه هو انقسام بين شرق وغرب!
نعم... شرق وغرب في وطن صغير، فكم سيحتمل؟!

أحببت وطني بكل أطيافه... ولكن...
أوجعني الألم الأخير إلى حد الأذى، نعم إنه الألم المؤذي.
أيام الحرب، كنت أرى صور الأطفال وهي تنتشل من بين الركام، ولكم أن تتخيلوا منظر طفل مزقه حقد طائرة حربية، الأمر مؤلم، لكنه الألم المتوقّع، الألم الذي جهّزت نفسك له وأعددت له كل العدة من صبر وإيمان...
أما الألم المؤذي، إنه ظلم ذوي القربى، وظلم ذوي القربى أشد مضاضة، لأنه يحوي في داخله آلاماً وآلاما...
ان أرى الأطفال يقتلون برصاص رجال هم من عليهم أن يوفّروا لهم الأمن؟!!
فأتألّم لحال الطفل، وأتألّم لحال البلد، وأتألم للمستقبل... وأقف حائرة بدمع ساجم، أمام واقع مرّ لا أدري كيف سنتجاوزه!
وتزداد حيرتي من هؤلاء الذين يصرّون على فهم الواقع كما يشاؤون، ويصورون الأمور بدم بارد، بينما الناس لا تزال تعيش غليان آثار الحرب المدمرة التي شنها العدو الإسرائيلي على لبنان، ولا تزال الناس في حالة من الذهول والوقوف على ما جرى، والبحث عن مستقبل جديد بعد نصر كلّف الكثير من التضحيات ...
والآخرون لا يريدون أن يروا إلا ذواتهم، ومصالهم الضيقة ومكاسبهم الآتية على صهوة تهديد وطن بأكمله.
فإلى أين المصير؟
ماجدة ريا

وفي السجود شفاء

هي الصلاة، تنادينا، ليلاً نهاراً، لنغسل أرواحنا من صخب الحياة، ونتقرّب أكثر وأكثر من خالقنا.
ربما هذا ما يحدث على مدار العام، ونشعر به أكثر عند اشتداد المصاعب علينا، سيما وأن الله سبحانه وتعالى نبّهنا لذلك بقوله تعالى "واستعينوا بالصبر والصلاة إنها لكبيرة إلا على الخاشعين"
من الضرورة أن نذكر الله سبحانه وتعالى في الفرح والرخاء، كما في الشدة والعناء، فنشكره في كل حال على نعمه علينا التي لا تعد ولا تحصى.
ولعل الرغبة في الصلاة تزداد في هذا الشهر الكريم، شهر رمضان المبارك، كما الرغبة في الدعاء، وأداء كل العبادات التي تقربنا من الله سبحانه وتعالى، ولعلنا نستريح أكثر وأكثر عندما نطيل السجود لرب العالمين.
وهنا استوقفتني إحدى الدراسات المصرية الحديثة التي أجريت في مركز تكنولوجيا الإشعاع القومي والتي تشير إلى أن السجود يخلّص الإنسان من الآلام الجسدية والتوتّر النفسي وغيرها من الأمراض العصبية والعضوية.
وقد اكتشف أخصّائيو العلوم البيولوجية وتشعيع الأغذية في المركز برئاسة الدكتور محمد ضياء حامد هذا الأمر معللين ذلك بأن السجود لله يساعد الجسم في تفريغ الشحنات الزائدة من الإشعاع التي يتعرّض لها الإنسان من أوساط ومجالات كهرمغناطيسية والتي تؤثر سلباً على خلاياه وترهقها وتسبب لها تشويشاً أو حتى في بعض الأحيان تعطيلاً في عملها، فيأتي السجود ليخلّصها من كل ذلك بمجرّد اتصال الجبهة والأعضاء الأخرى التي تشارك في عملية السجود (الكفان، الركبتان، القدمان) بالأرض حيث يأخذ الجسم بتفريغ كل الشحنات السالبة منه.
والملاحظة الأخرى التي أشارت إليها الدراسة هي أنه لا بد من التوجّه أثناء السجود نحو مكة المكرمة وقد أرجعوا ذلك إلى أن مكة المكرمة هي مركز اليابسة في العالم، وتقع في منتصف الكرة الأرضية، والإتجاه إلى مركز الأرض هو أفضل الأوضاع لتفريغ الشحنات، وهذا يعني أن الإنسان يجب أن يتّخذ وضعية الصلاة بالإتجاه نحو القبلة، وهي الصلاة التي يؤديها المسلمون.
فإذا كان الله سبحانه وتعالى قد أوصانا باللجوء إلى الصلاة وقت الشدائد وهو العليم بخلقه وبكل شيء، وكنا نفعل ذلك لنستشعر الراحة والأمان بارتباطنا به، فها هو العلم يثبت لها الجانب العلمي والصحي الذي يؤثر أيضاً بأجسامنا، فسبحان الله الذي هدانا إلى كل ذلك وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا.
والعلم يثبت يوماً بعد يوم الأهمية، ليست فقط الروحانية، وإنما العلمية لقرآننا الكريم الذي كان الأساس والمنطلق لكل العلوم.
اللهم أعنّا لنكون من الساجدين، الذاكرين، الخاشعين لك يا أرحم الراحمين، وأعنّا على تلاوة كتابك، والتفكّر الدائم بمضامينه ومعانيه، وتقبّل من الجميع ومنا أعمالنا بأحسن القبول، إنك الغفور الرحيم.
ماجدة ريا