Wednesday, March 22, 2006

رحلة مع البحر


قالوا لها: "عليك اجتياز هذا البحر، إذا أردت الإنتقال إلى المكان الآخر، حيث ترغبين أن تكوني، عليك أن تشرّعي مراكبك وأن تتوجّهي إلى أقرب ميناء، هناك سترين من سيستقبلك ويساعدك في الإنضمام إلى ذلك العالم وإلى هؤلاء الناس... لكن انتبهي، عليك أن تتأهبي جيداً، فهؤلاء أشخاص لهم عالمهم، لهم حياتهم، يأكلون الحبر وينامون على الورق".
لا زال صدى الصوت يتردد في أذنيها كما لو أنه كان آتياً من ذلك المكان البعيد، يدعوها إليه حينما ألفت نفسها أمام ذلك البحر.
كانت تسمع تلاطم أمواجه وهي تتقدم نحوه بعزم وثبات، إنها تنذر بمعارك طاحنة، وكأن الموج يتقاتل مع بعضه، وكل موجة تريد أن تكون هي الأعلى، تتلاحق الأمواج واحدة تلو الأخرى، فهذه تعلو تلك، وهذه تسرع هرباً وتلك تتأخر.... وهكذا يعلو الضجيج في هذا المكان الصاخب.
ران في خيالها منظر البحر الهادىء، ملتقى الرومانسيين الذين يحلمون مع كل غروب، ويقطفون من رنيم صداه أشعارهم وحكاياتهم، "لا ليس ذاك البحر هو ما أرى!"
إنه بحر مترع بالمشاكل، حبل بأثقال أبت إلاّ أن ترمي نفسها فيه، فضجّ من ثقله حتى باتت أمواجه متلاطمة بهذا الشكل المخيف.
هل ستركب زورقها الصغير وتسير في هذا البحر؟
الجو مشحون، ملبّد بالعواصف، كأنه لا يكفيها منظر الأمواج المتلاطمة!
أمعنت النظر، حتى اخترق نظرها لبّه، فتراءت لها دوّاماته بأحجامها المتعدّدة، فهذه كبيرة وقطرها واسع جداً ترسل عبره دوائر متتالية مولّدة أكبر عدد ممكن من الأمواج، وغيرها أكبر منها وأصغر وهكذا... الكل يمدّ هذا البحر بمزيد من هذه الأمواج.
بدأت رحلتها، نظرت إلى زورقها، لكم تعبت حتى حصلت عليه! آه ما أروعه! وما أحبّه إليها!
تأمّلت شراعه العالي بألوانه الزاهية الأحمر، الأخضر والأبيض..." لكم أحب هذه الألوان!"، أما خشبه فهو من خشب الأرز المعتّق، المتين..
لكنه يبقى مركباً صغيراً يشقّ طريقه منفرداً وسط هذا الأجاج.
" هل نسيت رفاق الدرب؟! فهناك مراكب كثيرة أمثال مركبك، ليس كل البحر دوّامات! انظري حولك جيداً..."
على جانبي البحر، ظهرت لها الكثير من المراكب الشراعية، كل يقود مركبه، يسير بهدوء، بعيداً عن الدوّامات، والأمواج العاتية، هذه الأمواج التي تبدو مخيفة، إذ تارة ترفع مراكب إلى أعلى، وأخرى تقلب بعضها، فيظهر أصحاب هذه المراكب وهم يصارعون الموج، يرفعون أيديهم إلى الأعلى فلا يرى منها سوى أصابع تتحرّك في تشنّج الصراع!
" يمكن أن أسلك طريقي وسط هؤلاء المراكب، ربما الإتّصال بيني وبين القباطنة الذين يقودونها هو سكون الصمت، إلاّ أنّنا نرى بعضنا... فمراكبهم تبدو كأنوار تضيء صفحة الماء كما النجوم في السماء".
كانت تتابع رحلتها بهدوء، إذا مرّت بأحدهم تلقي عليه التحية البحرية، وهم أيضاً يرسلون لها الإشارات الضوئية فتمرّ بسلام.
رانت منها التفاتة إلى مركز الصراع، إلى تلك الدوّامات التي ما زالت تدور وتدور، شعرت بأطراف مركبها تهتز، إحدى الدوّامات لامست حدود مسارها، نظرت نحو السماء، إلى قوّة الله المطلقة، ثبّتت دفة المقود، صوّبت نحو المسار الصحيح، وركّزت بصرها نحو النجوم التي انتشرت حولها لتستعين بنورها، وانطلقت نحوها، مخلّفة وراءها خطوط الدوّامات.
كان لا بد لها أن تمرّ أثناء طريقها على تلك الجزيرة، منظرها من بعيد يجذب الناظر إليها، لكنها تبدو كما لو كانت جزيرة من الخيال.
اقتربت منها، لا زالت تدنو، وتدنو.. حتى لاحت لها ملامحها بشكل واضح، الناس فيها مجتمعون في حلقات دائرية واسعة وقد أضرمت النار وسط كل واحدة منها، كما في سهرات النار الكشفية، وكل حلقة كان لها موّالها... فهذه تهتم بالحكايات، وأخرى بالخرافات، وغيرها بأي أمر يهمّها من أمور الحياة.. وهكذا، كانت كل حلقة تدور في فلك اهتماماتها...
وبينما هي غارقة في تأمّلاتها، وإذا بحرّاس الشاطىء يقتربون منها، ومن خلال الإشارة فهمت أنه ما دامت قد وصلت إلى هنا، فعليها أن تؤدّي التحية لملك الجزيرة. ألقت مرساتها على الشاطىء، وسارت معهم بقامة شامخة ورأس مرفوع.
وصلت إلى القصر الملكي، الحراس اصطفّوا على جانبي الممر، وحاشية الملك يجلسون في الديوان حوله، وعندما دخلت ألقت التحية على الجميع بطريقتها!
التفت إليها الحرّاس باستغراب، ولاحظت ذلك، لكن ما لفتها أكثر هو الشرر الذي تطاير من عيني هذا الملك حتى بدتا كأنهما نجمتان تلمعان، وشكله الذي بدا أسطورياً بالصولجان المذهب الذي يحمله بيده، والتاج الذهبي الكبير الذي على رأسه المكسو بشعر طويل!
هل يجب أن تخاف؟ شعرت بأن قدميها ثابتتين، وأن نظراتها تخترق عنان السماء.
صرخ بها أحد الحرّاس: "جرت العادة بالسجود أمام الملك، خاصة الدخلاء!"
التفتت إليه، ثم أعادت نظرها نحو الملك وقالت بهدوء: "وأنا لا أسجد إلاّ لله، أما السلام فأؤدّيه بطريقتي."
_ "إن جزاء من يخالف عاداتنا هو الموت."
" والموت هو بيد الله سبحانه وتعالى، وليس بيد البشر، فإن كان قُدّر لعمري أن ينتهي هنا وهذا أمر لله وحده أن يقضيه فأنا أرضى بقضائه."
_ "ألا تخافين الموت؟!!"
_ "الخوف من الموت لا يمنع الموت عنا إذا جاءنا"
كل هذا يجري على مرأى من الملك وحاشيته، رفع الحارس السيف في وجهها، لكن الملك فاجأه بقوله: "دعها رضيت بسلامها."
_ "سيدي الملك...."
_ "لا تقل شيئاً! جهّزوا لها مركبين ليرافقاها."
_ "شكراً أيها الملك "
قالت، ثم نظرت نحو الحراس تسأل عن سبب إرسال المركبين معها فأجاباها:
- "إن المنطقة التي ستعبرينها كي تصلي إلى شاطىء الأمان لا ينجو منها إلا من كان معه مرافقة من جزيرتنا.. وإكراماً لشجاعتك سيرسل ملكنا معك مركبين بدلاً من الواحد كي تكوني في أمان".
ابتسمت ابتسامة الأمان وسلّمت على طريقتها، ومضت إلى مركبها، وسارت ترافقها هدية الملك المزدوجة، واتجهت نحو بر الأمان.
ماجدة ريا.

Monday, March 13, 2006

المرأة الغربية بين الرغبات والمشاكل

كثيرات هنّ النساء الغربيات اللواتي ينجذبن إلى الحياة الشرقية وإلى الإسلام بالتحديد، وتظهر الدراسات أن عدد الأوروبيين الذين يعتنقون الإسلام في تزايد مستمر ويقدّرون بالآلاف في كل عام وجلّهم من النساء، وقد كان الإعتقاد يسود أن معظم هؤلاء النساء يعتنقن الإسلام بسبب الزواج من مسلمين، إلا أنه تبين فيما بعد أن معظم هؤلاء النسوة يعتنقن الإسلام بسبب قناعاتهن الشخصية وهذا ما تؤكّده الدكتورة هيفاء جداد المدرّسة في جامعة برمنغهام البريطانية.
إن الضجّة التي أثيرت حول دين الإسلام بعد الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر دفعت الكثير من الغربيين إلى البحث في هذا الدين. والباحثون بصدق عنه وجدوا فيه دين "حب وتسامح وسلام". هذا ما قالته الآنسة " ماري فالوت" ـ وهي إحدى الفرنسيات اللواتي اعتنقن الإسلام ـ في مقابلة معها نشرتها صحيفة كريستيان ساينس مونيتور في 29/12/2005، كما تقول إن هذا الدين "يجيبها عن كثير من الأسئلة الروحانية التي لم تكن تملك لها إجابة"، إضافة إلى ذلك هي تبدي إعجابها بالطريقة التي يحددها الإسلام للتقرّب من الله سبحانه وتعالى، وما يتميّز به من استقامة وبساطة ووضوح، والسلوكيات التي يتوجّب على المرء اتباعها.
إنها عيّنة من أشخاص المجتمع الغربي الذين استشعروا من هذا الدين الحنيف أهمية القيم والمفاهيم والتعاليم الإسلامية التي تكسب الروح سلاماً وأماناً كانوا قد افتقدوه في طريقة حياتهم، في تعاليمهم ومفاهيمهم، وهذا ما يجعلهم يندفعون نحو الإسلام.
أما لماذا النساء أكثر من الرجال؟ فإننا نلمس الإجابة على هذا السؤال عند المتخصصة بدراسة حالة النساء الهولنديات اللاتي يعتنقن الإسلام "كارين فان نيوكيرك" والتي تقول "إن هؤلاء النسوة ينجذبن إلى الفكرة الخاصة عن النساء والرجال التي يقدمها الإسلام حيث يوجد هناك متسع أكبر للأسرة والأمومة، فهي في الإسلام ليست وعاء للمتعة فقط".
ومن هنا يتبين لنا أن المرأة الغربية عندما تطّلع على دين الإسلام وتدرك من خلال اطّلاعها المكانة المهمّة التي أولاها الإسلام للمرأة ودورها في الأسرة دون أن يسلبها أية حقوق أخرى، بل على العكس فإن الأسلام أعطى المرأة الكثير من الحقوق مقابل ما يمكن أن تحصل عليه في باقي القوانين.
فعندما تدرك المرأة الغربية مدى الإحترام التي تحصل عليه في أسرتها، والأمان الذي تعيشه، فإن ذلك سيدفعها نحو اعتناق هذا الدين الحنيف في ظل تفكك أسري واضح يعيشه الغرب نتيجة تحلل الأفراد من مسؤولياتهم ولهاث كل من المرأة والرجل نحو المال والسلطة دون أية اعتبارات أخرى، مما أدى إلى تدهور كبير في العلاقات الأسرية دون أن يكون لها سقف يحميها.
ففي بلد مثل الولايات المتحدة الأميركية حيث التفاخر أن المرأة قد حصّلت ما تصبو إليه من حرّية وديمقراطية، تظهر قراءة حقيقية لواقعها مدى القهر والتخبّط الذي تعيش فيه، بحيث يشير أحدث التقارير والدراسات إلى ارتفاع نسبة الطلاق إلى حدود 60 بالمئة، ولا تتردد النساء هناك في اعتبار أن المطالبة بالمساواة بين الرجل والمرأة تكاد تكون مؤامرة في ظل عدم قدرة الكثيرات على التوفيق بين مسؤولياتهن تجاه العمل ومسؤولياتهن تجاه الزوج والأبناء.. وقسم آخر من الأميركيين يرد سبب ارتفاع نسب الطلاق إلى الحرية التي حصلت عليها المرأة في الأعوام الثلاثين الماضية وبسبب انهيار القيم التي تحكم العلاقات بين الأشخاص.
كل ذلك ينعكس بإيجاد شعور بعدم الأمان في إنشاء الأسرة، وهذا أيضاً يؤكده استطلاع الرأي ـ الذي نشره موقع (تقرير واشنطن) على الإنترنت في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 2005 ـ والذي بيّن أن نسبة 20 بالمئة من الرجال و 13 بالمئة من النساء فقط هم الذين يملكون الإستعداد لإنشاء أسرة وهذا يعني تدنياً عالياً جداً في الإقبال على العلاقات الأسرية، ما يجعل ذلك المجتمع أكثر توغلاً في الإنحلال.
وربما ينتج إنكفاء النساء عن الرغبة في إنشاء الأسرة عن المآسي التي تواجهها المرأة هناك، إذ أن التقرير نفسه يشير إلى ارتفاع نسبة العنف المنزلي الذي يمارسه الزوج بحق المرأة والأولاد إلى درجة تصل إلى حد القتل إذ يؤكد "أن العنف المنزلي يتسبب في سقوط ضحايا أكثر ما تسقطه الأمراض وحوادث الطرق حيث أن 80 بالمئة من جرائم القتل هي جرائم عائلية وأن ثلث ضحايا القتل من النساء تم قتلهن على يد شريك الحياة أو الزوج."
هكذا، مع التوقف عند مثل هذه التقارير لم يعد مستهجناً أن يقوم البعض بالبحث عن ذاته، وعن أمان يحمي العائلة والفرد وهكذا تتوجه النساء نحو الإسلام الذي صان المرأة وحفظ حقوقها وبذلك يكون قد صان الأسرة أيضاً.
وهذا الإندفاع نحو الإسلام من قبل المرأة الغربية والذي يراه مدير وكالة الإستخبارات الفرنسية "باسكال ميلهوس" مثيراً للقلق بسبب تزايده المستمر، هو لإقتناع النساء بأن التزامهن بالإسلام لا يقف حجر عثرة أمام أعمالهن وطموحاتهن، إضافة إلى أنه يؤمن لهنّ الطمأنينة التي يرغبن بها، وهذا ما يدفع بـ "سارة جوزيف" ـ وهي إنكليزية اعتنقت الإسلام وتصدر مجلّة نسوية إسلامية باللغة الإنكليزية بعنوان "أمل" ـ لأن تقول "إن الفكرة القائلة بأن جميع النساء الأوروبيات اللاتي يعتنقن الإسلام ينزعن إلى نمط انعزالي في الحياة بعيداً عن إفراطات النسوية الغربية هي فكرة ليست صحيحة."
فالمرأة الغربية تستطيع أن تعتنق الإسلام وأن تستمر في دراساتها وأعمالها وتحقيق طموحاتها ولن يؤخرها شيء عن ذلك، بل على العكس فإن الإسلام يشجّع على العلم والتعلم والعمل..
وأختم هنا بالقول أن البعض من النساء في مجتمعاتنا من اللواتي يحاولن تقليد الغربيات، قد يصلن إلى مرتبتهن في الوقت الذي تكون فيه هؤلاء الغربيات قد وصلن إلى اليقين الذي يبحثن عنه ويأخذن ـ بعد عراكهن مع الحياة ـ المكان الذي تسعى هؤلاء النساء من مجتمعنا بالنضال الشاق للتخلي عنه، فيتخلّين بذلك عن أمنهنّ وأمانهنّ، ليعيشنَ في الدوّامة والصراع الذي تسعى المرأة الغربية ذاتها للتخلّص منه، وربما يدركنَ عندها انهنّ وقعن في الخطأ.
إن هذه التقارير عن واقع المرأة الغربية إنما هي شهادات واقعية على عزّة المرأة في الإسلام التي لا تحتاج إلى شهادة كي تعتز بإسلامها.
ماجدة ريا

Wednesday, February 15, 2006

أسبوع المقاومة

سيدي عباس...
توالت السنون وما غاب طيفك عنا
تنطوي أرقامها تباعاً
تضيء أحرفها شعاعاً
وأنت تكبر فينا
فتكبر المقاومة...
امتدّت إليك يد المكر لتغتالك!
ظنّت أنها تغتال المقاومة
بثوب القائد!
لم يدروا أن كلّ قطرة دم من دمك الطاهر
انجبت بطلاً.. هو على الظلم ثائر
يقرأ عمق الجراح
فيهتف حي على الفلاح
هيا إلى الكفاح
فيبلسمه
مهما كان عمق هذا الجرح غائر..
لم تدرِ
أن المقاومة روح لا تُغتال
وأنّك لئن استشهدت
ستبقى فينا المثال
وأننا نقوى بالشهادة
وهي فخر للرجال
ستبقى فينا أنشودة عذبة
يتردّد صداها عبر الأجيال
نحفظها.. نحفرها في الخاطر
نسكنها الأرض والتربة والجبال
فنحن كما أردتنا أن نكون،
مقاومةأبيّة، قويّة، صامدة
.. وما تزال
ترهب الأعداء
بالفعل لا بالأقوال..
سيدي...
لئن عادت الذكرى
فقد عادت بالبشرى
بالنصر وتحرير الأرض
والفرحة الكبرى
بانهزام عدو
يعيش في حيرة
من أين يحمل نعش الإنهزام
فلتعيّد المقاومة عيدها
ولينشد المحبّون أناشيدها
ولتعلو الأصوات
بأجمل النغمات
وأعذب الصلوات
على محمّد وآله وصحبه الكرام.
**************
ماجدة ريا.

وعادت الذكرى

مرّ عام على استشهاد الرئيس رفيق الحريري، عام شهد لبنان خلاله ما لم يشهده من قبل من بروز للإنقسامات السياسية الحادة، سيما وقد تخلّله الكثير من الإغتيالات التي تبعت الإغتيال الأساس الذي قيل فيه إنه زلزال.
اليوم في ذكراه الأولى كلٌّ يغني على ليلاه، فجماعة 14 آذار والتي لم تكن مجتمعة يوماً ما، جمعتها المصلحة الواحدة، جميع فرقائها تقاطعت مصالحهم في نقطة واحدة، ومنها يتفرعون كل في شعاع مختلف لا يلتقي أحدهم مع الآخر إلا ليستمدّ منه قوّة يحتاج إليها، لأنه إذا ما قيس حجم كل واحد منهم على حدة لفزع هو من ضآلة حجمه قبالة الآخرين، فقد جمعوا ما جمعوا وحشدوا ما حشدوا من كل زاوية ومن كل مكان يمكن أن يأتوا به بشخص، أياً كان هذا الشخص ليقول "لسنا أكثرية وهمية!".
لكن كل واحد منهم يدرك حجمه، ويخاف في قرارة نفسه، فيندفع ليعانق الآخر ليعبّر عن تضامن الزعيم مع الزعيم مع الزعيم وقلوبهم واجفة فكل واحد منهم يدرك بأنه غير ممسك سوى بيد هذا الزعيم الذي رفعها ليعلن شيئاً للآخرين، وهو " أننا لا زلنا متماسكين!!!" كل هذه الحركات إنما استجمعت لتأتي رداً على اجتماع "قائدين" عظيمين، لم يجتمعا لمصلحة أحد منهما إنما لمصلحة الوطن أولاً وآخراً، ولم يسلما على بعضهما إلا بعد أن وضعا ورقة التفاهم بينهما، ولم يأتِ تصرفهما بناء على أي انفعال، أو ردّة فعل لأي شيء، إنما دأبا معا على لم شمل ما يمكن لمّه من تداعيات الوضع اللبناني، لقاءهما أرعب الجميع حتى جاء رفع الأيادي ممن رفعوها في هذه الذكرى ليقول نحن هنا... انظروا نحن متّحدين، لكن كل تكلّم بمنطقه وخطابه، ولو كشفت على قلوبهم لوجدت أن كلمتهم واحدة وقلوبهم شتى، وكل ذلك ظهر من خلال الكلمة التي ألقاها فما في القلب يظهر في فلتات اللسان...
بالنسبة لمن يعرضون أنفسهم لمنصب الرئاسة وما أكثرهم من بينهم تباروا أيهم الأنجح في أن يلفت الآخرين بنبرة خطابه، ومن له حقد قديم يريد أن ينفّس عنه فجاء خطابه مباشر بالتهديد والوعيد، وآخر له ثأر قديم فتكلّم كالعادة بلغته التي تعبر عن شخصيته المهزوزة، لغة الشتم والإنفعال، وآخر يريد أن يظهر أكبر قدر ممكن الأمور التي ترضي الأسياد في أميركا وفرنسا حيث مصالحه الأساسية، فنجح بأن يظهر نفسه أنه يطوي الجميع تحت جناحه ...
لكن ما لفتني قول أحدهم " إجاكم طقس حلو ومشمس ، شفتو حتى الله معنا، الله لبناني!"
يحلل الواحد فيهم من منطلق ذاته، وتفكيره ومحدوديته أحياناً، فيظن أنه ممسك بكل شيء، مدرك لكل شيء!
نقول الله للجميع، للحق وحيث يكون الحق يكون الله سبحانه وتعالى، فلو أن الطقس كان غير ذلك، لا أدري من كان سيحضر؟ وكم؟... وبأثمان أعلى بكثير... لكن أقول لمن يفكّر بهذه الطريقة، أنه أخطأ التقدير، فقد مشى الكثيرون تحت المطر، وتحت الثلج ، وبطقس عاصف ليقولوا كلمتهم، ليريكم الله سبحانه وتعالى أن مناصري الحق هم أناس أشداء، قلوبهم كزبر الحديد، لا يخشون في الله لومة لائم، الله سبحانه وتعالى أراد من ذلك حكمة وموعظة لمن يتّعظ!
مناصرو الحق الذين قدّموا التضحيات الجسام، من شهداء وجرحى وآلام... صبروا على كثير من الأذى ولا زالوا يصبرون، وكان ذلك أصعب بكثير من المشي تحت الثلج والمطر، وصبروا، وحققوا النصر العزيز، وإذا بنا نرى أشخاصاً عاشوا مترفين من جرّاء نهب أموال الدولة والمغانم، يأتون الآن ليقولوا، " حرية سيادة استقلال" هذا ما يجيدون.. العيش برخاء، وإطلاق الشعارات..
!فليراجعوا أنفسهم، والأيام ستخبرهم، أين هو الله؟ وفي صف من
ماجدة ريا.

Sunday, February 12, 2006

التعنّت المتهوّر


نعيش وسط معمعة حادة، وخلافات محتدمة، وبلد يخوض في المجهول، وإنقسامات لا عدّ لها ولا حصر، وإن بدا المشهد على أنه اصطفاف بين معسكرين أساسيين شرقي وغربي... لكنه لبنان، ويبقى لبنان قبل أن يكون أي شيء آخر، فهل هذا هو رأي الجميع؟!!!! وهل مصلحة لبنان هي صاحبة الإعتبار؟
صدر مؤخراً وثيقة تعاون بين تيارين كبيرين، أثارت الحساسية لدى بعض المسؤولين، لحسابات ما! رغم أن هذه الوثيقة قد وجّهت دعوة إلى الجميع للإجتماع حول طاولة حوار، وتقريب المسافات على أساس مصلحة لبنان، ومع ذلك فإن الخطابات النارية لم يخمد أوارها، وخرجت لاسعة أكثر من أي وقت مضى، فلم يتوانَ أحد قادة الميليشيات سابقاً عن وصف المقاومة على أنها ميليشيا دون حياء، طبعاً ولهكذا جرأة ثمن!!!!
فكلما رأى المسؤول الأميركي أن ثمة تقارباً حصل بين الأطراف اللبنانيين، أرسل من يعكر صفوه ويضرم النار! ولكن حبذا لو أن من يستجيبون ويلعبون بالنار يلتفتون إلى أن أول شيء تحرقه النار هو أصابع من يلعب بها.
ولكن غريب هو منطقه! بل كيف يكون غريباً، فقد اعتدنا على النفس الأميريكي وعلى أمر يشبه أي شيء إلاّ المنطق!
عندما التقى هذان التياران على طاولة الحوار وبعد أشهر توصلا إلى هذه الوثيقة المعلنة، لنقل إلى تقريب وجهات النظر، والإلتقاء، والمعلوم أنه لم يجلس معهم أي شخص من أي جنسية أخرى.. هو كلام لبناني ـ لبناني... وعلى مرأى من الجميع، وكل النقاط التي عالجها تخص لبنان، ولم يقفل الطرفان الباب بل فتحاه لمن يرغب أن يكون لبنانياً ويحل مشاكله على الطريقة اللبنانية، فنحن لسنا بحجم العالم كي يأتي العالم كله من خلال أمريكا والأمم المتحدة ليحلّ مشاكلنا، لقد بلغنا سن الرشد.
ويخرج الزعيم بعد لقائه مباشرة لمبعوث الأمم المتّحدة، ليشكك بوطنية اللبنانيين عندما يجلسون مع بعضهم، أما أن نلتقي المبعوثين الأجانب ونخرج لننفذ رغباتهم، ربما عندها نصبح منتمين إلى جوقة السيادة والحرية والإستقلال!!!!! يا للسخافة! والأغرب أنه يعترف بأن المقاومة هي حالة شعبية واسعة، تملك كل شيء من شعبية وفكر وخطابة وقوة.. لكن هو ومن معه يملكون الكلمة الحرّة!!!!! أي حرية هي التي لا تحمى إلا بعد كل مقابلة لمبعوث غربي يملي عليه ما يجب أن يقول!
أما مركز الجدال فهو أن الدولة يجب أن تبسط كامل سيادتها على أرض لبنان؟ لأن ما تفعله المقاومة هو انتقاص للسيادة؟!! ويا للعجب؟! أين كانت الدولة عند الإجتياحات الصهيونية المتكررة؟ وللذين يطالبون بعودة العمل باتفاق الهدنة لعام ال 48 أين كان هذا الإتفاق عند كل ما سببته إسرائيل لشعب لبنان من دمار وويلات؟
لقد عانى لبنان ما عانى، والقرى الجنوبية تشهد الهمجية والرعونة الإسرائيلية... كيف تطالبون أن نلقي السلاح والعدو يحاصرنا كل يوم ولم نلقِ هذا السلاح؟ أي منطق يقول للمعتدى عليه تجرّد من سلاحك وضع رأسك على المقصلة؟ المنطق الأميريكي مرفوض مرفوض لأنه ليس بمنطق!
حبذا لو يكف المتعنّتون عن تعنّتهم، ويلتفتون إلى مصلحة بلدهم بعيداً عن أي مصالح ذاتية..
حبذا لو يغلّبون حب الوطن بعيداً عن التستّر بهذه الكلمة مراوغة ورياء..
فلنجتمع بقلب مفتوح، محب للوطن ومصالحه، ولنعمل على حمايته بوحدتنا، بمحبّتنا الصادقة، ورؤويتنا الواضحة بعيداً عن العنصريات والعنجهيات..
لمَ يصمّون آذانهم ولا يريدون أن يسمعوا؟
عندما انتصرت المقاومة ـ وإن كانت من لون واحد ـ قالت "هذا انتصار للبنان، لكل اللبنانيين بكل أطيافهم" وتعالت على كل الجراحات، ولم تقتصّ من الذين تسببوا لها بكثير من الأذى..
لقد أثبتت بالفعل لا بالقول أنها منكم ولكم أيها اللبنانيون، وأنها السبب في طمأنينتنا جميعاً.. لمَ تريدون سلبنا هذه الطمأنينة!
طائرات العدو التي تجتاح سماءنا كل يوم.. كنا نرتعب منها سابقاً، لكن بعد معادلات القوة التي أرستها المقاومة بتنا نشعر بالأمان على كل شبر من أرضنا..
ما الذي يردع إسرائيل عنا وهي التي لها علينا ثأر؟ الفيتو الأميريكي على إدانة إسرائيل في مجلس الأمن بعد مجزرة قانا؟!
أنا لا أفهم ما الذي يدعوكم إلى هذا التعنّت المتهوّر!.
ماجدة ريا

Thursday, February 02, 2006

مقابلة صحفية


امتشقت قلمي، حملت بيض أوراقي، خطوت نحو تلك البوّابة الزرقاء الكبيرة حيث تلج منها إلى ممر عريض يفصل حديقة المنزل إلى قسمين...
رأسي مثقل بكثير من الأسئلة الحيرى التي تبحث لها عن جواب، فقد حضرت إلى هنا لأجري مقابلة مع أم ياسر، الشهيد الذي سقط في العملية النوعية الأخيرة...
لكم كنت أشعر بنهم لسماع أي كلمة ستقولها، ومع ذلك فقد كانت خطواتي بطيئة... وتساءلت في نفسي "هل هي الهيبة من أم الشهيد؟! أم هي رائحة التراب التي تفوح من الأرض فتخترق عظامي! لكم أحب هذه الرائحة أكثر من أي عطر آخر ـ هل لأن الإنسان من تراب وإلى التراب يعود؟ـ لست أدري...." أخذت نفساً عميقاً حتى امتلأت رئتاي، وأنا ما زلت أتابع خطواتي باتجاه الباب الرئيسي للمنزل.
السماء ملبّدة بالغيوم الداكنة، لم تفرغ كل حمولتها من المطر، وقد لفتتني تلك القطرات التي لا زالت تزيّن الأغصان العارية كأنها دموع الندى... وسنديانة عتيقة وقفت بكل شموخ إلى جانب الجدار زاد المطر اخضرارها توهّجاً حتى بدت كجوهرة خضراء...
تعانقت ألوان الشتاء في هذه الحديقة، وأكسبها كانون لون النار، إلاّ شجيرة منها أبت إلا أن تبقى في ألق.. تفتّحت ورودها نديّة بلونها الزهري يتحدّى برد كانون وقسوته.
استغرق مني هذا الممر القصير كل هذه الدقائق، وصلت أخيراُ إلى الباب، نقرت نقرات خفيفة ، انفتح ... وظهرت منه صبيّة صغيرة قادتني إلى حيث تجلس والدتها..
شعرت بالرهبة من جو تلك الغرفة، أتراها ليست كباقي غرف الجلوس؟ "مقاعد أنيقة تنم عن ذوق رفيع، وديكور رائع على الرغم من بساطته يجعل النفس في حالة سكون غريب، لا .. ليس هذا هو السبب بالتأكيد!... ربما تلك المرأة التي وقفت تستقبلني؟"... امرأة في العقد الخامس من العمر، بدأت بعض التجاعيد الخفيفة تتسرّب إلى خطوط وجهها، دون أن يمنعه ذلك من أنّه يشع بنور غريب تجعل الناظر إليها ينجذب لتأمّل تلك القسمات...
بعد السلام والتحية، جلست قبالتها، وشرعت في تدوين كل كلمة تلفّظت بها، وحرصت إلى أن أشير إلى اللذة التي كانت تتحدّث بها عن صفات ومآثر الشخص الذي طالما أحبّته ولا زال يسكن الفؤاد...
وفي الختام كان سؤال: "ما هي أعز أمنية لديك الآن؟"
دمعت عيناها وبصوت أجش جعل القلم يرتعش في يدي قالت "أتمنى أن أستطيع الذهاب إلى المكان الذي استشهد فيه، وأزرع وردة هناك!"
لم أستطع أن أمسك دمعتين سالتا على وجنتي وأنا أردد "أتمنى من الله أن يحقق لك امنيتك هذه!".
لقد استشهد داخل المنطقة المحتلّة في الجنوب.. وبدا الأمر كأنه شبه مستحيل!.
***
بزغ فجر الخامس والعشرين من أيار (مايو) لعام 2000، محمّلاً بعبق أريج الإنتصار والتحرير، ودحر العدو عن معظم أراضي الجنوب...
الناس يتدافعون باتجاه الحلم، كل يريد أن يبارك أنفاسه بتنشق هذا الهواء الذي حرموا منه طويلاً..
لم أنسَ أمنية تلك المرأة، وقرّرت أن أشهد تحقيقها، وقد اتخذ المعنيون الترتيبات اللازمة لأخذها إلى ذاك المكان الذي يصعب الوصول إليه..
وجدتني أقف أمام تلك الدار مرّة أخرى وكان الخبر قد سبقني إليها، فها هي المرأة الخمسينية بكل وقارها تقف في الخارج، تنتظر كأننا على موعد، موعد تحقيق الحلم.. والأمنية التي حامت في قلبها لسنوات، أرض الحديقة تموج بالإخضرار، وقد انبعث عطر ورودها التي تلوّنت بلون العيد في كل مكان يعطّر الأجواء، واستدفأت بأشعة الشمس فانعكست إشعاعاتها أنوار فرح تبلسم الجراحات، وتُشعر الناظر إليها بنبض الحياة.
لا زالت السنديانة العتيقة تقف بشموخ قرب الجدار ينبعث من داخلها زقزقات وتغاريد، تردّد حكايات النصر مع فرح الربيع!
تلاقت عيوننا، ابتسمت، فبادلتني الإبتسام، وما لبثت أن احتضنتني بحرارة ثم نظرت في وجهي وهي تقول بصوت أجش " جئت تشهدين تحقيق الأمنية؟!"
هززت رأسي علامة الإيجاب، وانطلقنا معاً في السيارة التي كانت تنتظرنا عند المدخل.
السيارات تسير في قوافل باتجاه الجنوب...
القرى الجنوبية تعيش عرس التحرير...
الناس يعقدون حلقات الدبكة الشعبية في الطرقات والساحات...
ولسان حال النساء أهازيج وزغاريد...
من وقت لآخر كنت أسرق التفاتة إلى وجه المرأة التي تجلس بقربي، كانت هي الأخرى تحدّق من نافذة السيارة في كل ما يجري فيشعّ من عينيها نور غريب يضيء قلبها.
بدأت السيارة تتنحى عن الطريق الرئيسي لتدخل في طرقات فرعية، إلى أن وصلنا المكان المقصود.
توقّفت السيارة... ترجّلت " أم ياسر"، وبشكل تلقائي جثت على ركبتيها، مدّت كلتا يديها إلى التراب، حضنت من حبّاته ما استطاعت، رفعتها إلى وجهها، شمّتها بملء رئتيها.. صاحت: "لا زالت رائحتك ها هنا يا ولدي، إنّي أشمّها... أحسّها... أرى روحك وأرواح الشهداء يفتحن بوابات التحرير... يتقدّمن الناس... يهلّلن يكبّرن... أشعر أن عرسكم اليوم أكبر من عرسنا، وفرحتكم أكبر من فرحتنا... أنتم الأحياء... أنتم الأعلون..."
كانت تتلمّس كل ذرّة من ذرّات التراب الموجودة في ذلك المكان، وتحتضن صورته في عينيها...
قلبي ينبض بعنف، وحواسي لا تكفيني لاستيعاب ما يحدث... بقينا نراقب حركتها العفوية، وكلماتها التي انطلقت دونما تحضير، لتفيض بمشاعر جيّاشة.
حملت شتلة الورد التي أحضرتها معها، وغرستها في تلك البقعة، سمعت الأرض تتجاوب مع هذه المرأة
تنهّدت الأرض
ارتعش التراب
نادى الصدى
أهلاً بالوافدين
ولّى العذاب
انبلج الفجر
وابتسم الندى
في حضن الياسمين
أيا زائراً... انظر في المدى
حدّق.. ماذا ترى؟
دقّق في رجع الصدى
أنا الأرض... أنا الأرض
أرأيت أنهار العسل واللبن؟
والظلال الوارفات والحور العين؟
أوتشعر أن في سمائي جنة عدن
يقطنها شبّان في النعيم خالدين؟
فهنا جرح مقاوم، وهنا قضى شهيد، وآخرين... آخرين
طهّروني بدمائهم من رجس الغاصبين.
ماجدة ريا

Sunday, January 29, 2006

وا... إسلاماه!

وا... إسلاماه!
تفجّر الكلمُ في أحشائي، تشظّى القلب حتى تشققت جدرانه، ونبتت الشظايا فيها كنصال حادة تسيل من حوافها الدماء...
أي زمان هو زماننا؟ وفي أي عصر نعيش؟
تقدّم، حضارة، ديمقراطية، حرّية، ثقافة.... ودول تذكر على أنها مضرب المثل! أعني الدول الغربية.
تقدّمهم وحضارتهم وذكاؤهم هو الذي مكّنهم من إقامة دولة إسرائيل على حساب شعب بكامله، بل أمة بكاملها!
اليوم، وهم الممسكون بزمام القرارات العالمية، يريدون صياغة عالم على مزاجهم، وقوانين على مقاسهم، ودول راكعة عند أعتابهم..
اليوم تنشر بعض الصحف الغربية صوراً مسيئة ومهينة جداً للإسلام، ولا يعاقب الفاعلون فهذا نوع من الحرّية الإعلامية!
قبلها كانت فضيحة تدنيس القرآن الكريم وبالكاد سمع من المسؤولين اعتذار خجول بعد العديد من المظاهرات المستنكرة.
واليوم أيضاً هناك الحديث عن السجون الأميركية الأوروبية السريّة لكل من يشتبه به أنه له علاقة بانتماء ما!
وقبلها كانت الفضيحة الكبرى للممارسات اللاإنسانية بحق السجناء في سجن أبو غريب وغوانتانامو وغيرها من سجونهم المعتبرة!
اليوم توقف بث قناتين في هولندا بسبب انتمائهما للإسلام وتوضع قناتان إسلاميتان غيرهما أيضاً تحت المراقبة، والوقف هو بحجة أن هاتين القناتين تحضّان على الكراهية والعنف؟!!!!
الإنتماء إلى الإسلام دين الأخلاق والتسامح والحب بات إرهاباً؟! قول الحق دون مراوغة إرهاب؟! الحجاب إرهاب؟! المقاومة بوجه المعتدي إرهاب؟!!!!!
أعمال التدنيس والسفاهة واللاأخلاقية هي الحضارة المرجوّة والحرّية المقبولة عند هؤلاء، الممارسات اللاإنسانية بحق الأفراد والشعوب المستضعفة هي قمة الديمقراطية، المجازر والتسلّط والقمع في العراق وفلسطين وغيرها من دول العالم هي الحضارة ..
فعلاً يمكن القول أننا بتنا نعيش في زمن انقلبت فيه المعايير العالمية للإنسانية، وانقلبت كل المقاييس، والغريب في كل ذلك هو الصمت الدولي عن كل ما يجري من انتهاكات صارخة لحقوق البشر بعنوان تحقيق حقوقهم، والأغرب من ذلك هو التصفيق للظالم على ظلمه وافتراءاته والتصديق عليها على أنها واقع؟
فهل يجب أن يصدق الجميع أن النظام العالمي الجديد قد سطرته أميركا وحلفاؤها وفق ما يروق لهم من معايير وما على الآخرين إلا الخضوع؟
وأين المسلمون من كل ما يجري؟؟
وا إسلاماه!.
لكنني أتساءل ببساطة، لو كانوا أقوياء بثقافتهم التي يودّون نشرها، لمَ يخافون الآخر؟! لمَ يريدون خنق كل صوت معارض؟ لمَ لا يتركون مجالاً لحوار الثقافة ولينتصر المنطق الأقوى؟
كل الإجراءات القمعية للتضيق على الآخرين إنما هي إجراءات ضعف بمظهر قوة، وخوف من حقائق قوية.
ماجدة ريا

Friday, January 27, 2006

القرار للصندوق

... وصدمت إسرائيل!!! وذهلت أميركا!!!
لقد جرت الإنتخابات الفلسطينية التشريعية في أجواء هادئة، وتحت رقابة محلّية ودولية مشدّدة، وقال الشعب الفلسطيني كلمته: نعم، نعم للمقاومة، وفي لحظة الحسم أعلنت النتائج وأعلن الفوز الكبير لحركة المقاومة الإسلامية حماس.
هذا ما أراده صندوق الإقتراع، وهذا هو قرار الشعب الفلسطيني بمعظمه، وهذا ما لم ترده أميركا ولا إسرائيل، وهذا ما لم يتوقّعوه أبداً، فكيف حدث ذلك في غفلة منهم؟!!!
ظنّوا أنهم بالتضييق والحصار، بالإرهاب وقتل قادة المقاومة، يروّعون الناس ويبعدوهم عن هذا الخط المبارك، هذا لأنهم لم يقرأوا كلمات الإمام الخميني العظيم (قدس سره) " اقتلونا فإن شعبنا يعي أكثر فأكثر".
إن الإرهاب الذي تمارسه إسرائيل على الشعب الفلسطيني لن يثني هذا الشعب الأصيل عن قول كلمته الحرة في مواجهة إرهابهم، في التحدي والصمود، في الوقوف مع الحق، والنضال من أجل استعادة حقّهم المسلوب.
أما كيف ستتصرف أميركا وإسرائيل والدول الغربية مع هذا الموقف الجديد؟!!
إنهم مجبرون على الرضوخ لأحكام الديمقراطية، واحترام كلمة شعب اختار ممثّليه، ومع إعلان النتائج كان الرئيس الأميركي يسارع إلى إعلان موقف بلاده الذي ملّ الناس سماعه : "على "حماس" نزع سلاحها والتحوّل إلى حزب سياسي، والتخلّي عن محاربة إسرائيل...." وتناغم معه كالعادة وزير خارجية بريطانيا وفرنسا... ومن يسمع مثل هذه الحملات يظن أن المقاومة الإسلامية هي التي تعتدي، وتحتل، وتقتل وتهدم وتدمر و.......
يا للغرابة!... وربما لم يعد غريباً ما نسمع وهو ما يردّد في كل لحظة ، وفي كل يوم: يجب نزع سلاح المعتدى عليه، حتى لو كان بندقية أو صاروخاً بل ربما يأتي يوم يفكّرون فيه بإزالة الحجارة من الطرقات لأنها سلاح الغالبية لهذا الشعب المظلوم لتسرح إسرائيل وتمرح بدبّاباتها وطائراتها حيث يحلو لها دون أن تزعجها طلقة رصاص!
فليدعموها مادياً بالطائرات والدبابات وأحدث الأسلحة..
وليدعموها معنوياً بالتصفيق لها كل يوم على أنها بريئة وأن كل مقاومة تقف في وجهها هي الإرهاب..
وليدعموها بقدر ما يشاؤون! فلن يستطيعوا أن يقلبوا الحقائق، وإن زعموا ذلك، ولكن يجب أن لا ينسوا أن الحق مدعوم من الله سبحانه وتعالى وهو أقوى الأقوياء وأحكم الحاكمين، وأن الشعب إذا أراد الحياة يوماً فلا بد أن يستجيب القدر.
ماجدة ريا

لمن المستقبل؟

أزهرت المقاومة انتصاراً عام ألفين، وأثمرت في قلوب المحبّين نضوجاً ووعياً، ربما هي لم تقلب الموازين عندما انتصرت في الموقع الذي لم ينتصر فيه أحد قبلها، إنما بلورت حقيقة لم يستطع أحد قبلها الوصول إليها، وسطّرت بدماء الشهداء وآلام الجرحى وصبر الأهلين على كلّ ذلك معادلة جديدة ليس من السهل قلبها بكثرة الكلام واحتدام المواقف أياً تكن، محلّية كانت أم إقليمية، أم دولية... ما كتب بالدماء والآلام لا يبدّله أي مستجدّ من الأحداث مهما ظنّ البعض أنه يملك نهاياتها، باعتبار أنه طوى تحت جناحه قراراً أممياً ترأسه أميركا! ومن يقف تحت جناحها من الدول، أو من يقف على الحياد خوفاً على مصالحه. معادلة تقول "إن الحق منتصر، وإن الباطل كان زهوقا" مهما طالت الأيام، ومهما استكبر من استكبر وطغى من طغى، فقد طغى فرعون من قبل، وطغى الأباطرة والقياصرة، وكل العهود الغابرة والأمم السالفة تنبئنا بنهاية الظالم وظلمه وانتصار الحق عندما يجد هذا الحق من يعرفه ويصونه بالدماء.
نحن نعرف حقنا جيداً، ودفعنا مقابله الكثير من المعاناة، من الدماء الزكية التي لم ولن تكون رخيصة يوماً، لنضيّع ما حقّقت من إنجاز عظيم، ومن يستنير بضياء الشمس ونورها ودفئها، لن يتركه ليعود إلى الظلمات، حتى لو كلّفه ذلك الحياة!
يقولون الخروج عن الشرعية الدولية وأنا أقول من الذي صاغ الشرعية الدولية ومن الذي وضع حدودها، لقد استوقفني مقطع صغير في كتاب القانون العام الدولي للدكتور عبد الباقي نعمة عبد الله وهززت رأسي عنده طويلاً وهو يقول "الدول تلتزم بقواعد القانون العام الدولي بإرادتها وتخضع لأحكامه خضوعاً ذاتياً مع ملاحظة التطور الحديث الذي أدى إلىسيادة هيئات دولية تمارس دور الرقيب على الدول وتقوم بدور السلطة العليا أو الدولة التي هي فوق الدول، خصوصاً مجلس الأمن الدولي الذي لو قُدّر له أن يمارس وظائفه بموضوعية وعدم تحيّز وعدالة، استناداً إلى ميثاق الأمم المتّحدة، ولو ابتعد عن المحاباة والضغوط على الدول الصغيرة ولو تخلّى عن حق الفيتو المقرّر للخمسة الكبار، لأمكن القول إنه يمثّل الحكومة العالمية التي تخضع الدول لإرادتها وتؤدّي إلىاستقرار التعامل الدولي."
إذاً عن أي شرعية دولية يتحدّثون مع كلّ هذه المعوّقات التي تحول الشرعية الدولية ومجلس الأمن بالتحديد إلى شريعة الغاب حيث القوي يقتل الضعيف، ويذله، ويفعل ما يحلو له بحجة الشرعية الدولية؟ وهل مجلس الأمن أنشئ للحفاظ على الدول الكبرى ومصالحها؟ أم لحماية المظلوم وإعانته؟!! وأي استقرار سيصل إليه العالم مع حرّاس الأمن وعلى رأسهم أميركا؟ وأي شرعية هذه التي يفرضونها؟
هل الشرعية التي تجاوزتها أميركا ذاتها ضاربة بها عرض الحائط، مستبيحة كل الأعراف عندما اجتاحت بجحافلها العراق؟ وهل ننسى صور الأطفال والنساء والشيوخ والدمار.. والتي ما زالت تتوارد حتى الآن؟!
أم هي الشرعية الدولية التي تبقي كل القرارات المتعلّقة بإسرائيل في أدراج مغلقة لا يتذكّرها أحد؟!
أم ربما هي الشرعية الدولية التي تبيح لفرنسا التلويح باستخدام السلاح النووي من أجل تأديب الآخرين؟!!!!
الطاقة النووية ممنوعة للأغراض السلمية؟!! مسموح أن تستخدمها أميركا العاقلة والمهذّبة سلاحاً في هيروشيما؟! وأن تلوّح باستخدامها مجدداً فرنسا؟!
نعم... هذه هي الشرعية الدولية التي على البشر الإقتناع بها، ومن لم يقتنع تستطيع أميركا وفرنسا إقناعه بما تملك من قوة وأدوات... ولا من رادع أو وازع!
الشرعية الدولية هي حكم الدول الكبار المتسلطة من أجل تحقيق مصالحها، ونشر أفكارها من خلال نموذج الديمقراطية الذي رأيناه في أفغانستان والعراق... والسيف المسلط على رقاب العباد بما يملكون من كل وسائل التدمير والعنف والإرهاب!...
ولكن من قال إن هذه الشرعية هي شرعية أصلاً؟ ومن قال إن الموت والدمار والإعتداء يرهبنا؟ أو ينسينا مبادئنا وحقّنا؟ ومن قال إنهم الأقوى بكل ما يملكون؟
الله جلّ وعلا علّمنا، والتاريخ أكّد لنا أن الحق هو السلاح الأقوى والأمضى، ، أما الشر.. فله أن يأكل نفسه، وأن يرتدّ على صاحبه، وإذا كانت أميركا تظن بأننا لا نسمع صراخها مما أورثت لشعبها بفضل حكومتها المتهوّرة، فإننا نقول لها إننا نسمع ونرى، وقد خرجت سابقاً مرغمة من فيتنام، وها هي تود لو تخرج اليوم قبل الغد من العراق وما يؤخرها هو البحث عن طريقة تسمح لها بحفظ ماء وجهها، وإسرائيل خرجت مكرهة من جنوب لبنان...
لن يقنعونا أن القوة المتسلطة هي التي تصنع المستقبل، وإن كان بعض الأشخاص قد درجوا على الوقوف مع الأقوى على أنه رابح مؤكّد، دونما الأخذ بعين الإعتبار هوية أو مبدأ، فينقلب من جانب إلى جانب، دون اكتراث لثوابت أو وقوف عند مبادئ.
الأساس هو أن يملك الإنسان مبدأ، ويحمل فكراً، إما يحيا به أو يموت دونه، ويستمرّ من بعده، أمّا القوة فعندما تتمثّل بالشر فإنها وإن استطاعت أن تؤذي فإنها قاتلة لنفسها، وسبب هلاك من يتّبعها، والمستقبل يبقى لأصحاب الحق حتماً، لأن الله سبحانه وتعالى مع الحق.
ماجدة ريا.

Monday, January 23, 2006

الحل الأمثل

كل يبحث عن فرصة التعبير عن الذات وإثباتها ، وهذه الذات يمكن أن يرقى بها صاحبها إلى مستوى الإهتمام بالبشرية بمجملها، وإلى الإنسانية بكل معانيها.
وهناك الذات التي تبقى محدودة بالأفق الشخصي والفردي وإن ارتقت فهي ترتقي إلى المجموعة، وتعصب عينيها عما هو حولها فترى ما يناسبها فقط.
هي مستعدة لأن تقتنص أي فرصة يمكن أن ترسم لها كياناً!
تلك الأصوات التي ارتفعت في لبنان مطالبةً بسحب سلاح المقاومة(!!) لم تكن مفاجئة، ولا كانت مفاجئة أيضاً الحدة التي يتّسم بها خطاب هذه القوى مؤخراً، وهي تنظر بعين الأمل إلى المجتمع الدولي المنكفئ تحت جناح الرئيس الأمريكي _ ومن ورائه "إسرائيل" _ وترى أن هذا وتلك أصبحا سنداً مهماً لها لا يمكن تجاهله، حتى الأقطار العربية الشقيقة التي تسير وراء السياسة الأمريكية، تسير وهي مطأطئة الرأس لا تكاد تسأل عما يجري ولسان حال الجميع: لا نستطيع أن نقف بوجه أحد؟!
سابقاً قيل كلام مماثل للمقاومة الإسلامية عند بداية الحرب مع "إسرائيل"، وجوبهت محلياً ودولياً ، لم يؤيدها سوى النذر القليل. وبهذا النذر القليل استطاعت صنع المعجزة التي لم تقوَ على صنعها الجيوش العربية مجتمعة! ومضت بثبات منتصرة بإذن الله تعالى، وقد شهد بذلك القاصي والداني.
لم يتغير شيء في الهجمة على وجود المقاومة ـ التي لم يرد لها أن توجد من الأصل ـ ولو كان باستطاعتهم القضاء عليها قبلاً لفعلوا، هم لم يوجدوها وإرادتهم في إيجاد الشيء وعدمه لا زالت هي هي، والضغوط مورست سابقاً ولا زالت وستستمر على مدى التاريخ. ولكن هل تراهم سمعوا سيد الشهداء السيد عباس الموسوي رضوان الله عليه وهو يقول "اقتلونا فإن شعبنا يعي أكثر فأكثر".
لم يتغير شيء، وأمة المقاومة الإسلامية هي أمة تكبر وتعظم ويشتد ساعدها بالتضحيات وبالشهداء، وتصرخ بأعلى الصوت لا للإملاءات الأمريكية الإسرائيلية وإن جمعت حولها العالم كلّه، نحن قوم على حق ويكفينا أن الله هو الحق المطلق وكفى، ولو لم يبقى معنا سواه، يكفينا الله وكيلا.
مشروع الهيمنة على المنطقة بات واضحاً ومعروفاً للجميع، وأن العملية ليست كما تصوّر للبعض، بأنها مجرّد عملية تسليم سلاح وستنعمون بالأمن والاستقرار إلى جانب الدولة المغتصبة لحق الشعوب والتي لا زالت وأمام أعين المجتمع الدولي "الموقّر" تمعن في القتل والتدمير في صفوف الشعب الفلسطيني دون وازع أو رادع، ولم يردعها عن فعل ذلك في لبنان سوى توازن الرعب التي تفرضه عليها المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان.
والكيان الصهيوني سعى ولا زال يسعى في كل محفل دولي أو غيره وفي أمريكا بالخصوص ليصل إلى كسر القوة الرادعة في لبنان كي يحلو له فعل ما يشاء.
ومن السخرية بمكان أن بعض ضيّقي العقول، أو أصحاب المصالح الآنية يتوهّمون أن "إسرائيل" مرتكبة الفظائع الإنسانية، مبيدة الشعوب لتبني مجدها على دمائهم، ستأتي لهم بالمنّ والسلوى، وستبني لهم لبنان المستقبل.. لبنان الصداقة والمودة، أو أنهم يريدون أمن العبيد مع الأسياد الأمريكان.. أو أن أمريكا مهتمة بصداقاتهم كي تطيح بغيرهم وتنصًّبهم رؤوساً ونقطة على السطر ؟
من الغباء أن يبقى بشري على وجه الأرض وخاصة في منطقتنا لا يعرف أن القاموس الأمريكي يقول : "إسرائيل" ثم "إسرائيل" ثم "إسرائيل" ومن بعدها الطوفان. فإلى أين هؤلاء هم ذاهبون؟ إلى أحضان "إسرائيل" يستنجدون بها ممّن يريد أن يحميهم منها دون مقابل؟
أي عنجهية مدمرة هذه، إنها حتماً ستقتل صاحبها قبل غيره. ولكن ألم يتّعظ هؤلاء من ما جرى على العملاء؟ كيف عاملتهم "إسرائيل"، ورفضت دمجهم بشعبها واعتبرتهم شعباً درجة ثانية أو أقل؟! وهم الذين استماتوا في الدفاع عنها ؟
فما بالكم بمن يريد أن يضع البلد بين يديها، منزوع السلاح، مطأطئ الرأس، أي ثأر ستثأره عندها؟؟!
أما أمريكا فلديها مشاريعها الخاصة في المنطقة وليست خافية على أحد، الهدف الثاني إيران وسوريا وهذا بات واضحاً ومعلوماً، وما على السيد الأمريكي سوى أن يطلق صفّارة الحرب لتندلع، وما هذا التردد ؟ يريد أولا أن يضمن أمن "إسرائيل" لأنه يعرف بأن المقاومة الإسلامية في لبنان لن تقف مكتوفة اليدين. وبذلك يصبح الهدف الأمريكي واضحاً، فهو يريد أن يضمن الأمن لشمال الكيان الصهيوني الغاصب قبل أي خطوة أخرى.
هذا الإهتمام بلبنان ليس اهتماماً بالأشخاص الأصدقاء لواشنطن كما يتصورون، بل بمصالحها الخاصة، وفي اللحظة التي تجد بأن أصدقاءها يجب سحقهم فلن تتأخر في ذلك أبداً.
أليست هي من غذّى الطالبان في أفغانستان؟ وصدام في العراق؟ وعندما أينعت ثمارهم قطفتهم دون أدنى مشقّة!
وأنتم يا أعزائي وأخواني في الوطن، لستم سوى مطيّة تريد أن تمتطيها أمريكا و"إسرائيل" لتحقيق غاياتهما وتأمين أمنهما، ويذبحونكم عند أول مفترق طرق !
والمخطط جاهز لدى أمريكا، وتصميمها على هذه المنطقة واضح، وتريد أن تنفّذ ما بدا لها.
ولكن ليكن معلوماً أن شعار المقاومة الإسلامية هو "لئن خيّرنا بين السلّة والذّلة فهيهات من الذّلة " طالما فينا مقاوم فيه عرق ينبض .
ماجدة ريا

لوحة من السماء



انقضى النهار مثقلاً بمتاعب الدرس وهموم الإمتحانات، إنها الفترة الأصعب من السنة، حيث تنقضي أيامها ثقيلة طويلة، لا يؤنس وحشتها سوى رفقة كتاب توحّد معها حتى بدا كأنه لا ينسلخ عنها أبداً.
وقفت في نافذة غرفتها المطلّة إلى الشرق، لكنه ليس موعد شروق الشمس!... أيام تشرين تدغدغ الأنفاس بنسمات تشتدّ قسوتها حتى تكسر كل حواجز الجسد فتلامس أعماقه وتدعوه إلى الحياة.. هذه النافذة كانت متنفّسها إلى الحرية فيسرح بصرها إلى اللاّ محدود، وتقف عند حدود قمة الجبل حيث ترى منه شروق الشمس مع إطلالة كلّ صباح. وبينما هي تحدّق في مجموعة الغيوم التي اصطفّت عند أطراف ذلك الجبل بدأ حرف من النور المتلألىء البياض بالظهور شيئاً فشيئاً حتى اكتمل بدراً أبيض برّاقاً... إنه القمر في ليلته الخامسة عشرة.
ما هي إلاّ لحظات حتى تلقّفته غيمة كبيرة سارعت في إخفائه وراءها، كانت تنتظره قرب الجبل كعاشقين تواعدا ليلتقيا... إنها كبيرة، رمادية اللون، تميل إلى الإسوداد ... تتمازج فيها الألوان، فتفتح تارة وتشتد أخرى والقمر يظهر من بين ثقوبها فلا تلبث أن تخفيه في ثناياها كأنها تخشى عليه من التيه في أحضان غيمة أخرى!
حتى إذا ما اختفى خلف لونها الرمادي تجلّت بنوره مضيئة كأنها مصباح كبير عُلِّق في السماء... وتلألأت أطرافها وكأنها أسطر من ذهب مرصّع فبدت كإكليل نور يُتوِّج جبهة العروس.
انتبهت من وقفتها تلك على صوت أمها الحنون التي كانت دوماً تتفقّدها لتطمئن عليها وتحضر لها في كل مرّة كوباً من الشاي، أو من عصير الفاكهة قائلة: "هذا سيزيد من نشاطك يا عزيزتي." تشكرها وتعود لمتابعة دروسها بجد..
أشرقت شمس نهار جديد، والغيوم لم تعد متلاصقة بل توسّعت وانتشرت حتى كادت تغطي صفحة السماء.. جلست على شرفة غرفتها ترشف فنجاناً من القهوة، وتستجمع نشاطها قبل أن يبدأ نهار الدرس الطويل.. وفي جلستها تلك، وبينما احتضنت في عينيها القرى المترامية الأطراف، استقرّ نظرها من جديد عند أطراف ذلك الجبل، ثم ثبّتتها في السماء علّها تحلّ بعضاً من رموزها سيما وأنها قد بدت لها مثل لوحة أسطورية خرجت من العصور الغابرة، أو من حكايات الجدّات التي كانت تُروى...
ماردٌ أسود، يده ممدودة تحمل طبقاً مملوءاً على شكل دائرة منتفخة، ماردٌ آخر له كرش كبير قد أوسع الخطى وراءه كأنه حارسه! وحشود مختلفة تسير وراءهم، تراصَّت على بعضها البعض حتى بدت كتلة واحدة، أنهم موكب هذا المارد الذي ربما يحمل هديّة إلى ملك عظيم!...
أمامهم بحر كبير لا يخشونه بل هو بصفاء ازرقاقه يخشى سوادهم وظلمتهم فيوسعون الخطى فيه غير آبهين بسير طويل. من حولهم أشخاصاً يلهون، واحد يقفز هنا، وآخر يقلب هناك.. وغيره يركض كأنه في سباق! بينما ينام أحدهم على بساط الريح فيحمله إلى البعيد البعيد... كلهم يبتعدون، فيصبحون كأوراق خريفية، ملوّنة، مبعثرة في السماء منها الأحمر، ومنها الأصفر ومنها ما زال يحافظ على بعض الإخضرار الباهت حتى يعود أزرق متماهياً مع لون السماء.
كل هذا يجري حول هذا المارد الأسود الذي يبدو أنه غير آبه بشيء، بل يجدّ المسير متابعاً موكبه الجليل بكل أُبّهة وجلال.. فإلى أين يخطو هذا المارد العجيب.. برفقة هذا الجيش الرهيب؟!... وما هي تلك الإشارات التي تكبر وتصغر وتتبدّل ألوانها وكأنها عروس تستعرض فساتينها، ثم تختفي وراء الستار، خلف تلك الحشود التي لا زالت تمضي في مسيرها، فتنجلي صفحة السماء من ورائهم، تاركين فيها آثار أقدامهم، فلا تستعيد لونها الصافي بل تبقى معكّرةً بلون رمادي قاتم كأنه الغبرة المنطلقة من حوافر الخيول على طريق قروي ترابي مهمل.. وتبقى السماء كئيبة لا تستعيد هدوءها بسرعة، وكأنها ما زالت منبهرة بضوضاء هذا الجيش الرهيب.
وتساءلت في سكون "يا إلهي ... ليل واحد يفصل بين صيف وخريف!... ويكون نهاية لسلسلة أيام متواصلة من إشراقة الشمس في سماء صافية الأديم لا يعكِّر صفوها سوى بعض العصافير الصغيرة أو بعض الحمائم التي تطير هنا وهناك... فتبقى زرقاء نقية لتفسح المجال أمام ذلك القرص المتوهِّج أن يلهب الناس بحرارته... وينتهي كلّ ذلك في ليل واحد!... وصباح يحمل معه التّغيير المفاجئ. إنها اللحظة التي تفصل بين انتهاء حدث وإعلان آخر! "...
ابتسمت لفكرة خطرت في بالها مع توارد هذه الأفكار "قريباً تأتي لحظة تفصل بيني وبين سنوات الدرس الطوال، وتعلن عن نجاح يؤسس لمنهج جديد في حياتي!.."
ماجدة ريا

طريق العودة

احتضنه العجوز الممدد على الكنبة وقد بدا منهكاً من أيام عمره المنقضي. كان يرمق ولده بشغف المحب الذي لا يشبع من محبوبه والذي لا يريده أن يفارقه أبداً، لكنها مشيئة القدر الذي جعلت ابنه يقطن بعيداً عنه، على أن هذا البعد لم يؤخره أبداً من زيارته نهاية كل أسبوع كفرض واجب.
استقل حافلة صغيرة انطلقت بركابها، لكن فجأة توقف السائق بمحاذاة حافلة أخرى يعرف صاحبها قائلاً له: "أريدك أن توصل هذين الراكبين معك إلى بيروت، فأنا مسيرتي تنتهي هنا".
انتقل إلى الحافلة الأخرى.. وسرعان ما اكتشف أن سائقها شاب لا زال في سن الطيش، لم تعطه الأيام شيئاً من حكمتها.. تجلس بقربه إحدى الشابات "المودرن" كما يقال.. ومتى التقى "الطيش" مع "المودرن" بدأت تظهر المهارات!.. تارة يطلق بوق الحافلة على مداه دون سبب سوى لفت النظر إليه، وأخرى يرفع فيها صوت المذياع والأغاني الصاخبة إلى حد الجنون.. ثم لا يلبث أن " يشفِّط" أو يطلق من جهاز موجود معه صوتاً كالإنفجار.. والركاب يحدّثون أنفسهم "سترك يا رب"..
بدا الطريق طويلاً.. لكثرة الإنزعاج.. وما "زاد الطين بلّة" هو ذاك الطفل الصغير الذي صدف ركوبه في المقعد خلف ذاك الرجل، ولم يكفّ لحظة عن البكاء والصراخ.. حتى بدا الطريق كأنه طريق الجحيم.. فوجد الرجل نفسه يحدِّث صاحبه الذي يجلس قربه ولم يعرفه إلا للحظات "أنا لا أتوب عن ركوب الحافلات؟ لن أترك سيارتي بعد اليوم في مكان، وسآتي بها مهما كلّفني الأمر!" ابتسم الرجل الذي يجلس بقربه قائلاً "وأنا أيضاً فقد تركت سيارتي مع أبي.."
وانفتح الحديث.. وكان لهذا التعارف أن حوّل ذاك الجو الصاخب إلى جوٍ لطيف رغم الضجيج الهائل الذي يدور حولهما، إذ انسجما في حديث لطيف.. فالرجل كان صحافياً والآخر طبيباً تخرّج لتوّه وهو يعمل الآن كمتدرّب في إحدى المستشفيات..
وغاص معه في هم المستشفيات، وجده الذي كان في مأتمه بسبب خطأ من طبيب في المستشفى.. فقد أجري له تمييل في القلب وأُدخل بعده مباشرة إلى غرفة العمليات التي أُخرج منها ميتاً..
وانتقل الحديث إلى هموم الناس ومشاكل الحياة، وأخذت الأزمات التي يختلقها السائق الطائش من خلال قيادته المتهوّرة تتحول إلى فرص للتندّر على هذه الدنيا وما تجرّه على الناس من مشاكل.. وفي كل هذا الحديث كان التقارب يبدو واضحاً، والتفاهم يكاد يصبح السمة الرئيسية للحديث الخافت الذي كان يسرق حروفه من بين الزعقات المزعجة للمغنين الذين تنطلق أصواتهم مجلجلة من ذلك المذياع الذي لا يتعب.
توقفت الحافلة لينزل منها الرجل وهو يحدّث نفسه "يمكن لصحبة لطيفة أن تنسي جواً مشحوناً خانقاً"، ومرّ في فكره ما جعله يتردد في الصمود عند قسمه بأن لا يركب الحافلة بعد اليوم.
ماجدة ريا

Thursday, January 19, 2006

شرطي الإمبراطور!


تعليق على الأحداث
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قد يستطيع مجلس الأمن الدولي أن يقنع شخصاً يعيش في أوروبا أو أمريكا أو أفريقيا أو حتى شرق آسيا بمقولته وماهيته، أما أن يقنع شخصاً يعيش في منطقة الشرق الأوسط فهذا الأمر مثير للجدل والتساؤل.
يقرأ المرء عن كيفية نشوء هذا المجلس، عن اهتماماته، إنجازاته فيسترسل حتى يشعر بأنه يعيش حلماً جميلاً أو كأنه يقرأ رواية خيالية أو ربما هذا الأمر يعني كوكباً آخر غير كوكب الأرض.
سيصدّق هؤلاء الذين يعيشون في قارات بعيدة، لأن فاعلية هذا المجلس قد تكون صادقة معهم بعض الشيء، لأن المصالح فيها يمكن أن يُحصل عليها بالمداورة والمناورة والصبر...
أما في "الشرق الأوسط"، وفي قضية الصراع العربي الصهيوني، فقد أصبح اللعب "على المكشوف" تقريباً، وإن كان البعض يتخفّون وراء أصابعهم أو لديهم حساباتهم الخاصة التي لا يمكنها أن تطمس حقيقة أصبحت كالشمس.
ربما الإعلام العربي لم يرقَ بعد إلى مستوى الطرف الآخر، فاستطاع هذا الأخير أن يقنع الآخرين بما يشاء، لكن ليس في مركز الصراع، حيث نيران حقدهم تكوي القلوب، التي ولئن احترقت بنار الدنيا فلن تستسلم أمام الذل والعار.
يحلم الفرد بأن تتحد أمم العالم وشعوبه من أجل الخير، ومن أجل سلام يسود كوكب الأرض، فالإنسان قد فطر على حب السلام والعيش بطمأنينة، لكن كثيراً ما تشوّهت هذه الفطرة بأفكار من يحمل العنصرية ويَسِم غيره بها، فقط لأنه مقتدر!
نعم، العنصرية الصهيونية ورفض الآخر وقتله واضطهاده وتدمير إمكاناته. هذه العنصرية التي لا تسمح للآخرين بحق الوجود إلا إذا اعترفوا أنهم ما دون إنسانيتهم المدّعاة وأنهم أرقّاء وعبيد لهم. المقولة الصهيونية تطول إذا ما أراد الواحد منا تعريفها ولكن أصبح من الواضح عن أي معادلة نحن نتكلم.
ونعود إلى دور مجلس الأمن "الموقر"، والذي نصّب نفسه شرطياً لهذا العالم، والذي عندما تقرأ عنه تشعر أنه شرطي أمين مؤتمن، يحمي وجود الإنسان ويدافع عن الإنسانية تجاه الشرور التي تحيق بها. لكن في قضية الصراع العربي الصهيوني سرعان ما تكتشف أنها مجرد كلمات! أو ربما هو شرطي لا حول له ولا قوة!
فكم مرة اتخذ هذا الشرطي قرارات فيها بعض العدل بشأن هذه القضية وبقيت حبراً على ورق لأنها تمس بمصالح الصهاينة؟
وكم مرّة كمّ فم هذا الشرطي حتى عن اتخاذ القرار ورفض القرار من أصله فقط لأن الإمبراطور حامي الصهاينة استخدم حق النقض الفيتو؟
ولكن السؤال الأهم هو أنه كم مرة سعى مجلس الأمن إلى فرض الشرعية الدولية ليس بالقوة وحسب كما يتعامل مع الآخرين وإنما حتى بالتهديد أو التلويح بأي عقاب حتى لو كان بسيطاً. إذا كان التأنيب يتغاضى عنه فهل سنسأل عن الأكثر منه؟
وكل ذلك برعاية الإمبراطور الموقر!
هذا الإمبراطور أقنع نفسه بأنه يستطيع أن يُدخل إلى السجن من يشاء ويخرج منه من يشاء وأن يبرّئ من يشاء وهكذا... كل شيء يجب أن يسير بمشيئته، والشرطي الأمين تحوّل وبقدرة قادر إلى حام لهذا الإمبراطور وبأسلوب الشرعية الدولية التي انتقاها هذا الأخير.
باعتبار أن العالم تحول إلى قرية صغيرة ، ظن الإمبراطور أن بإمكانه صياغة القوانين المفصّلة على مقاسه، والتي تحفظ مصالحه، وبدءاً من حادثة 11أيلول ، تحوّل إلى وحش يصول ويجول، ويكيل الإتهامات، فكل ما يتنافى مع مصالحه الأنانية تحول إلى إرهاب يستحق العقاب، والشرطي الموقر مطأطئ الرأس ، تارة يناور وتارة يرضخ وفي كل الأحوال تبقى كلمة الإمبراطور هي الأمر المطلق التي لا يستطيع أن يقف بوجهها شيء! ومن تلك الحادثة ـ الحدث ينطلق ليحرر العالم ويفرض عليه "ديمقراطيته المعتبرة" ويؤدب كل آخر يتعارض معه وبلغة الدم دون وازع أو رادع.

وأكثر ما يثير العجب في مجلس الأمن الدولي هو مسألة "نزع السلاح" كي يصبح العالم أكثر أمناً وأماناً، إذ لا بد من حصر السلاح،و خاصة الخطير منه (السلاح النووي) بين الأيادي المؤتمنة على أرواح البشر باختلاف ألوانهم وأوطانهم... نعم ، أميركا وإسرائيل هم الأخبر بكيفية استخدام السلاح والأكفأ بتحويل حياة الأبرياء إلى جحيم.
فالسلاح يجب أن يبقى حكراً على هؤلاء العباقرة الذين يعرفون كيف يتفننون بإيذاء الآخر الذي لا يعجبهم... يتفننون في ابتكار أي سلاح، واختراع أي حرب من أجل تجريبه وليقتل من الأبرياء ما يشاء خاصة إذا كانوا ليسوا بصهاينة، وإذا لم تعجبهم جرائم الصهاينة، وليس إذا اعترضوا عليها وحسب!
ومجلس الأمن إزاء تسلسل أحداث هذا الصراع يتنقل من قرارات خجولة لا تطبق إلى صمت مطبق ومن ثم إلى بصمة موافقة لا يمكنه الهروب منها.
ومهمة نزع السلاح من منطقة الصراع مع العدو الصهيوني هي واجب مقدس لدى الإمبراطور، ومجلس الأمن هو الكلمة الجريئة التي تعلو وتصدح بهذا الطلب باتجاه أي من الدول، طبعاً باستثناء "إسرائيل" فهي تشرّع لنفسها ما يحلو لها ولا علاقة لها بتنفيذ أي قرار يفرضه مجلس الأمن، فقط هي تظن بأنها قادرة على أن تفرض على الآخرين تنفيذ قراراتها من خلال هذا المجلس.
يظنون أن العراق عبرة! ويحاولون أن يتناسوا، أو أن يفرضوا على الناس أن تنسى بأن جنوب لبنان هو العبرة الأكبر، وأن الإنسان يختار ما يشاء كي يعتبر!
يمكن أن يجبن فيستسلم! ويمكن أن يصمد فينتصر.
وليتذكر الجلاد الذي يقطع رؤوس الآخرين دائماً بأنه لكل جلاد أجل ، وما الخلود إلا لله العلي القدير.

الوشاح الأبيض

تسمّرت عيناها, حتى ليخال الناظر إليهما أنهما توقفتا عن الحركة أو عن الحياة, لولا ذلك الشعاع الخفي الذي ما لبث يرسل تموجاته الحادة.
كانت في لحظات عودة إلى ذلك الماضي البعيد القريب, أمام تلك الصورة التي مثلت أمامها, ذلك الوجه الذي بدا كالقناع, لا يهتز لمفاتن الدنيا إذ أقبلت، تمد له ذراعيها, ولا أغراه يوما أنه أصبح في عمر الشباب ليسعى كما يسعى البعض من جيله للهروب من مسؤولية واقع مرّ وجد نفسه فيه! ربما هي التربية التي تلقّاها, بل ربما هي الصورة التي علِّقت على الجدار ردهاً طويلا من الزمن!
من يدري؟ ما الذي جبل تلك النفس فأودع فيها ذلك القرار؟...
لحظات.. خالتها ساعات... استرجعت فيها أيّاماً طويلة كان قد طوى عليها الزمن ما أراد, حملت فيها من العبء ما يكفي ليثقل عليها بظلّه...
كانت الصور تأتيها من الذاكرة كشريط متسلسل سريع، وكأنه يدرك مداهمة الوقت لها فيفرغ جعبته بسرعة... وها هما تينك العينان البرّاقتان تشعّان نوراً من عليائهما بكلِّ ما تحملان من تحدٍّ للزمن!
سرقت حنانه من تاريخ عطفه عليها، واستعادت كلماته الرقيقة لتطرب أذنيها بحلاوة نغماتها كلما جاءت لحظة وداع "نحتاج إلى دعائك حبيبتي".. فتردِّد بصوتها الحاني :" لينصركم الله.. لينصركم الله.."
وانحدرت لؤلؤتان كبيرتان على خدَّيها، لتلتقيا بابتسامة ساخرة علت وجهها المتعب..
مسحتهما بهدوء، استدارت لتلتقي عيناها بذات العينين المتوقّدتين اللتين تضجّان عزيمة وثباتاً، حتى شعرت أن التاريخ عاد بها إلى لحظاته الأولى.. وأن الواقف أمامها لم يختلف عن أبيه بشيء حتى في صدى كلماته التي بدّدت الصمت الثقيل: "سامحيني يا أمي، لم استطع أن أختار غير هذا الطريق، فالدم لا يهدأ في عروقي وأنا أرى غاصب يحتلّ أرضي ويدنّس قدسي.. سامحيني أرجوك.. أعرف أنّك عانيت الكثير من أجلي، ولكنني لا أجد نفسي إلاّ في هذا الطريق".
تحرّك الوجه من جموده، وضاقت تينك العينان بتعبير ما لبث أن تُرجم بكلمات: "كنت أعرف ذلك يا ولدي، كنت أعرف أنك سترث تلك الروح الأبيّة، فليس غريباً أن يأتي شهيد للزمن من صلب شهيد".
فسألها بلهفة المُتشوِّق: "أنت راضية إذاً يا أمي؟"
تنهّدت بعمق، ضمّته إلى صدرها بحرارة الدمع المنسكب على ذينك الخدّين: "وهل تظنّني أصدّك عمّا ليس منه بدّ؟ معاذ الله أن أفعل ذلك يا ولدي".
وعاد الزمان ليتوقّف في محطّة أخرى، لم تتشابه مع سابقتها بشيء.. فالأولى زيّنها طفلاً صغيراً قتل وحشة السكون وملأ عتمة الفراغ وأغدقت عليه من فيض حنانها حتى اشتدّ عوده وغدا رجلا...
أما المحطّة الثانية، فلم يبقَ لها فيها سوى ذلك الوشاح الأبيض الطويل الذي طالما تدثّرت به لساعات طوال في ركن الصلاة...
وكان ركن تلك الغرفة الصغيرة المتواضعة يشهد لها بخشوع القلب وحضور الروح، فتقتل بهما وحشة السكون وألم الفراق.
ماجدة ريا
أهلاً بكم في مدونتي.
الكلمة، القصة، التعليق، الموقف، وكله من لبنان
آمل أن تعجبكم
ماجدة